(نظرية فقهية تجاوزها الزمن)
فكرة القِسامة كانت معروفة قبل عهد الرسالة الخاتمة، وصورتها أن يقسم بالله خمسون رجلاً من قرية أو منطقة وجد مقتولاً عندهم ولا يُدرى من قتله؛ فيقسمون بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا، ثُمَّ يؤدون ديته([1])، والقسامة وسيلة إثبات جنائية تحمل دلالة النفي عرفت في المنطقة العربية قبل القرآن ثم أدخلته المدارس الفقهية في نظامها.
يتفق الفقه أن القسامة لم ترد في القرآن؛ لا نصاً ولا إشارة، وعند القائلين بها أن ثبوتها بالرواية المنسوبة إلى النبي عليه السلام، والذي يعقل من القرآن أنه لم يحصر الناس في وسائل إثبات بعينها، بما مؤداه أن وسائل إثبات الجرائم والحقوق متروكة للناس يحددونها بما يستجد لديهم من وسائل ووسائط، إذ هي مرتبطة بتراكم المعارف والخبرات الإنسانية في البحث عن الحقيقة.
-1-
يستند القائلون بمشروعية القسامة بالأدلة الروائية التي نسبها الناس إلى النبي عليه السلام، ومنها:
1. أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتي محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل، وطرح في عين، فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه. قالوا: والله ما قتلناه.
فأقبل هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة ليتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كبر كبر، يريد: السن، فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يأذنوا بحرب.
فكتب إليهم في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل: أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا.
قال: فتحلف لكم يهود؟ قالوا: ليسوا مسلمين، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده، فبعث إليهم مائة ناقة([2]).
2. وعن رجل من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود([3]).
يرى غالب الفقه أن الأئمة عملوا بالقسامة بعد عصر الرسالة، وأن حديث القسامة أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم([4])، ووجد اتجاه قديم في الفقه لا يرى مشروعية القسامة تعويلاً على أن القسامة مخالفة للأصول المجمع عليها فقهياً، فذهب الحكم بن عيينة، وأبو قلابة، وإبراهيم بن علية، وسليمان بن يسار، ومسلم بن خالد، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه، إلى عدم الأخذ بالقسامة، وعدم وجوب العمل بها؛ لأنها مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها.
ومن هذه الأصول: أن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعا أو شاهد حساً، وإذا كان كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القاتل، بل قد يكونون في بلد والقاتل في بلد آخر، واستدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه([5])، وقال بعضهم: إن الأخبار في القسامة مضطربة ونفاها بعضهم([6])، وبعيداً عن هذه المناقشات في كتب الفقه؛ فإن هناك جوانب في هذه المسألة لم تبحث من قبل في خضم دعوات أنه لا يصلح شأن هذه الأمة إلا ما صلح به أولها.
-2-
نقل الرواة عن عكرمة عن ابن عباس قال: (أول قسامة كانت في الإسلام، قسامة بني هاشم)([7])، وعن رجل من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية([8])، القسامة إذن كانت معروفة في مجتمعات الجزيرة العربية قبل القرآن، ولم يرد بشأنها تشريع من الله في القرآن، ومجتمعات الجزيرة العربية عرفت تشريع القسامة من تراث قبيلة بني إسرائيل العربية التي وجدت منذ آلاف السنين قبل القرآن، وتراث قبيلة بني إسرائيل مبثوث في الديانتين: اليهودية والنصرانية، وقد اعتنق اليهودية العديد من القبائل في المنطقة العربية وخارجها، ولم تعد حكراً على قبيلة بني إسرائيل، فكان أهل تيماء على اليهودية، وتيماء بلدة معروفة بين المدينة والشام على مسافة ليست بالبعيدة من المدينة([9]).
وكانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، وكانت اليهودية في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة([10])، وذكر اليعقوبي أن ممن تهود اليمن بأسرها([11])، وتهوَّد قوم من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير، وتهود قوم من بني الحارث بن كعب وقوم من غسان وقوم من جذام([12])، والقبائل العربية اليهودية كانت منتشرة في الجزيرة العربية من اليمن إلى فلسطين، وكان لهم وجود طبيعي في بلاد العرب قبل ظهور الإسلام في زمن يمتد إلى أيام موسى([13])، لذا من المسلم به أن الوجود اليهودي القديم في شبه الجزيرة العربية مشهود به في التواريخ وفي الشعر الجاهلي([14]).
وقال اليعقوبي أما من تنصر من أحياء العرب:
فقوم من قريش: من بني أسد بن عبد العزى، منهم ورقة بن نوفل.
ومن بني تميم: بنو امرئ القيس بن زيد بن مناة.
ومن ربيعة: بنو تغلب
ومن اليمن: طئ ومذحج وبهراء وتنوخ وغسان ولخم([15]).
وكان لنصارى العرب في جنوب الجزيرة العربية كنائس في نجران وصنعاء، وكانت لهم أيضاً كنائس في مأرب وظفار([16]).
وأصول تشريع القسامة أشارت إليه أسفار العهد القديم في “سفر التثنية: 21/1-9” : (إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَمْتَلِكَهَا وَاقِعًا فِي الْحَقْلِ، لاَ يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ، يَخْرُجُ شُيُوخُكَ وَقُضَاتُكَ وَيَقِيسُونَ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَ الْقَتِيلِ. فَالْمَدِينَةُ الْقُرْبَى مِنَ الْقَتِيلِ، يَأْخُذُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ عِجْلَةً مِنَ الْبَقَرِ لَمْ يُحْرَثْ عَلَيْهَا، لَمْ تَجُرَّ بِالنِّيرِ. وَيَنْحَدِرُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِالْعِجْلَةِ إِلَى وَادٍ دَائِمِ السَّيَلاَنِ لَمْ يُحْرَثْ فِيهِ وَلَمْ يُزْرَعْ، وَيَكْسِرُونَ عُنُقَ الْعِجْلَةِ فِي الْوَادِي. ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الْكَهَنَةُ بَنُو لاَوِي، لأَنَّهُ إِيَّاهُمُ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِيَخْدِمُوهُ وَيُبَارِكُوا بِاسْمِ الرَّبِّ، وَحَسَبَ قَوْلِهِمْ تَكُونُ كُلُّ خُصُومَةٍ وَكُلُّ ضَرْبَةٍ، وَيَغْسِلُ جَمِيعُ شُيُوخِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبِينَ مِنَ الْقَتِيلِ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْعِجْلَةِ الْمَكْسُورَةِ الْعُنُقِ فِي الْوَادِي، وَيُصَرِّحُونَ وَيَقُولُونَ: أَيْدِينَا لَمْ تَسْفِكْ هذَا الدَّمَ، وَأَعْيُنُنَا لَمْ تُبْصِرْ. اِغْفِرْ لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ الَّذِي فَدَيْتَ يَا رَبُّ، وَلاَ تَجْعَلْ دَمَ بَرِيءٍ فِي وَسَطِ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ. فَيُغْفَرُ لَهُمُ الدَّمُ، فَتَنْزعُ الدَّمَ الْبَرِيءَ مِنْ وَسَطِكَ إِذَا عَمِلْتَ الصَّالِحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ).
ففكرة إعلان أهل قرية براءتهم من دم قتيل وجد في قريتهم أو إعلان عدم علمهم بمن قتله كانت معروفة في أسفار العهد القديم، ثم تطورت الفكرة بمرور الزمن من مجرد إعلان البراءة من دم القتيل إلى الحلف أو القسم على ذلك، وتصديق نفي أهل منطقة براءتهم من دم قتيل وجد في منطقتهم أو تصديق حلفهم على ذلك؛ كلاهما هو احتكام إلى ضمير الناس في شأن ذلك.
-3-
النصوص الروائية ونصوص أهل الكتاب كلها دالة على أن القسامة تشريع قديم وجد في المنطقة العربية قبل القرآن؛ والسؤال: هل هناك محظور شرعي في اعتمادها في فقه المدارس التاريخية التي نشأت بعد القرآن؟.
تذكر الروايات عن رجل من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود([17])، فتشريع القسامة كان معروفاً قبل القرآن شأنه شأن أعراف اجتماعية عمل بها لأنه هو البديل المتاح زمنياً، وهو في جوهره من المتغير الاجتماعي المعتمد على المعرفة الزمنية.
وهذه الحوادث -إن صحت بنقلها- هي تفاصيل يومية يقوم فيها النبي عليه السلام بتطبيق آيات القرآن على اجتماع بشري متغيّر، فيحكمها ما هو متوفر من الوسائط زماناً ومكاناً، وهي المعروفة في أصول الفقه بوقائع الأحوال التي لا تخصص عامًا ولا تقيد مطلقًا، وطالما أن البديل المعرفي الكوني الأقوى والأفضل والأحسن قد توافر في زمننا؛ فالإثبات يتحقق به، ولا يجوز للناس أن يرجعوا إلى الجهل بعد العلم.
وهذه المسألة تشابه مسألة إثبات بداية الشهر القمري ونهايته بالحساب الفلكي، فقد استمر الناس لعقود يرفضون شهود الشهور بالحساب تعويلًا على ما ورد في الأخبار من الشهود برؤية البصر، مع أن الحساب الفلكي أدق شهادة وأقوم طريقة وأنفع للناس.
اليوم في حال وجدوا قتيلاً في منطقة ما ينشط البحث الجنائي في تتبع وفحص الأدلة الجنائية معتمداً على وسائل ووسائط معرفية متطورة:
– يقوم المختصون بإحاطة مسرح الجريمة وحمايته من العبث وفحص ودراسة مسرح الجريمة والعثور على سلاح الجريمة أو وضع تصور لطبيعته بالآثار الظاهرة والباطنة لجسد القتيل من خلال تشريح الجثة.
– ويفحصون متعلقات القتيل (ثياب، محفظة نقود، بطاقات…الخ)
– فحص حواسب القتيل، وتتبع مكالماته الهاتفية ورسائله النصية وحساباته البنكية.
-كما يرفعون أية بصمات على القتيل وأي حمض نووي على جسده (شعر، جلد، سائل منوي…الخ) ومطابقتها بقاعدة البيانات المتوفرة لديهم.
– ويفحصون كذلك تسجيل كاميرات المراقبة لمسرح الجريمة إن وجدت أو أية تسجيلات لمواقع قريبة منها.
– التحقيق مع المشتبه بهم أو لهم مصلحة في قتله، وفحص هواتفهم وحواسبهم وحركة حساباتهم البنكية بالإجراءات القانونية المتبعة.
البحث الجنائي الحديث يصل بالتحقيقات إلى القاتل بنسب جيدة بجهد المحققين والإمكانات المتوفرة لديهم، بينما القسامة التي تقوم على احتكام إلى ضمير بعض أهل المنطقة مع دفعهم دية القتيل لا تؤدي إلى التوصل إلى القاتل، مما يؤكد أن تلك الفكرة التي عرفت اجتماعياً قبل نزول القرآن انتهى مفعولها الزمني، ومن الخطأ الذي يقع فيه بعض الباحثين المعاصرين أن يصنف القسامة من تعاليم الشريعة التي لا يجوز مخالفتها، والصحيح الذي يعقل من آيات الله في القرآن وآياته في الكون أن القسامة وسيلة زمنية كانت معروفة قبل القرآن انتهت الحاجة إليها بتطور المعرفة الجنائية التي تبحث في أدلة جريمة القتل للتوصل إلى القاتل.
[1] علي بن محمد البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، ج2 ص752.
[2] أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، بلوغ المرام من أدلة الأحكام، ص449.
[3] أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، بلوغ المرام من أدلة الأحكام، ص449.
[4] أحمد بن عبد الله الكندي، المصنف، مجلد 23 ص279. محيي الدين يحيى بن شرف النووي، شرح النووي على مسلم، ج11 ص144.
[5] مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية، ج33 ص167.
[6] أحمد بن عبد الله الكندي، المصنف، مجلد 23 ص279.
[7] أبو القاسم الطبراني، الأوائل، باب أول قسامة في الإسلام، رقم الرواية (٧٧)، ص106. أبو بكر بن أبي عاصم، الأوائل، رقم الرواية (182)، ص111.
[8] أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، بلوغ المرام من أدلة الأحكام، ص449.
[9] ياقوت بن عبد الله الحموي، معجم البلدان، ج2 ص67. عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، صفة الصفوة، ج1 ص66.
[10] محمد بن مسلم بن قتيبة، المعارف، ج1 ص621.
[11] جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج6 ص514.
[12] المرجع نفسه، ص514.
[13] جمعية التجديد الثقافية، اختطاف جغرافيا الأنبياء، ص 201.
[14] كمال الصليبي، التوراة جاءت من جزيرة العرب، ص 15.
[15] جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج6 ص590.
[16] المرجع نفسه، ج6 ص619.
[17] أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، بلوغ المرام من أدلة الأحكام، ص449.