<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>مجلة الفلق الإلكترونية</title>
	<atom:link href="http://alfalq.com/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://alfalq.com</link>
	<description>النور يشق ظلمة الليل - أول مجلة الكترونية عمانية متخصصة في مجال الثقافة والفكر والسياسة</description>
	<lastBuildDate>Fri, 18 May 2012 09:10:18 +0000</lastBuildDate>
	<language>en</language>
	<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>http://wordpress.org/?v=3.3.1</generator>
		<item>
		<title>رماد شوزيت: في وداع بنغالي كان يَحْلِقُ الهواء</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3701</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3701#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 18 May 2012 09:10:18 +0000</pubDate>
		<dc:creator>سليمان المعمري</dc:creator>
				<category><![CDATA[العدد الثالث والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[حداء الروح]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3701</guid>
		<description><![CDATA[البارحة أحرقوا شوزيت  في بنغلاديش فتناثر رماد ذكراه في الردة  التي لا أظنني مبالغا إذا قلتُ إن جميع رجالها وأطفالها يعرفون شوزيت  .. لا يمكن أن تكون قاطنا في الردة ولم تحنِ رأسك مرة واحدة على الأقل لهذا  البنغالي العصامي الذي عرف الردة فعرفتْه ، وكلمها بقلبه فأسكتَتْه   .. مات شوزيت إذن وبالسكتة القلبية  وهو - نسبيا - في عز شبابه ، إلا إذا اعتبرنا الخمسين أرذل العمر! .. مات بعد أقل من سنة من موت حلاق [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<div dir="rtl">
<p><object width="560" height="315" classid="clsid:d27cdb6e-ae6d-11cf-96b8-444553540000" codebase="http://download.macromedia.com/pub/shockwave/cabs/flash/swflash.cab#version=6,0,40,0"><param name="allowFullScreen" value="true" /><param name="allowscriptaccess" value="always" /><param name="src" value="http://www.youtube.com/v/pqRw87OLUOQ?version=3&amp;hl=en_US&amp;rel=0" /><param name="allowfullscreen" value="true" /><embed width="560" height="315" type="application/x-shockwave-flash" src="http://www.youtube.com/v/pqRw87OLUOQ?version=3&amp;hl=en_US&amp;rel=0" allowFullScreen="true" allowscriptaccess="always" allowfullscreen="true" /></object></p>
<p dir="rtl">البارحة أحرقوا شوزيت  في بنغلاديش فتناثر رماد ذكراه في الردة  التي لا أظنني مبالغا إذا قلتُ إن جميع رجالها وأطفالها يعرفون شوزيت  .. لا يمكن أن تكون قاطنا في الردة ولم تحنِ رأسك مرة واحدة على الأقل لهذا  البنغالي العصامي الذي عرف الردة فعرفتْه ، وكلمها بقلبه فأسكتَتْه   .. مات شوزيت إذن وبالسكتة القلبية  وهو - نسبيا - في عز شبابه ، إلا إذا اعتبرنا الخمسين أرذل العمر! .. مات بعد أقل من سنة من موت حلاق آخر في الردة أيضا  –  بنفس السبب وفي نفس العمر تقريبا -  اسمه &#8221;دَلال&#8221;<a name="0.2__ftnref1"></a><a href="https://mail-attachment.googleusercontent.com/attachment/u/1/?ui=2&amp;ik=1f096eeced&amp;view=att&amp;th=13755578e0f3aca3&amp;attid=0.2&amp;disp=vah&amp;realattid=f_h1kcvvcz0&amp;safe=1&amp;zw&amp;saduie=AG9B_P8BDuFxBTzrdYsFXO6iiEbf&amp;sadet=1337331414669&amp;sads=e3im-xrggoK0c07I4phrT5Tv-Uw&amp;sadssc=1#0.2__ftn1">[1]</a> ،  وبعد أسابيع قليلة كذلك من تعرض بابو صاحب محل الحلاقة المقابل تماما لمحل شوزيت لأزمة قلبية مماثلة جعلته طريح الفراش واضطرته لإجراء عملية .. بعض رجال الردة الذين يهوون فلسفة الأحداث على طريقة محللي الفضائيات الإخبارية يعتقدون  أن لوقوف هؤلاء الحلاقين الطويل على الأقدام  علاقة كبيرة بإسكات قلوبهم .. على أن هذا سيحتاج إلى علماء  وتجارب معملية لإثباته  والأسهل منه  إثبات أن الناس في الردة يموتون بثلاث طرق لا رابعة لها : إما واقفين ، وإما جالسين ، وإما نائمين .</p>
<p dir="rtl">حدث أن مات كثير من أعيان القرية دون أن ينتبه لهم أحد ، أما  شوزيت فلأن شعبيته واسعة فقد وضع كثير من الناس أيديهم على رؤوسهم ساعة سماعهم نبأ وفاته ، بعد أن كان هو الذي يضع يديه على رؤوسهم ليحلقها ، ليس أهالي الردة وحسب ، بل وأهالي القرى المجاورة كأم الجعاريف والديل بل وحتى الفرفار .  لا يمكن أن نقول إن شوزيت البنغالي لم يكن عمانيا وهو الذي قضى  في الردة أكثر من نصف عمره   ( 27 عاما ) بدأها كحلاق أجير لا حول له ولا قوة ولا مشط له ولا مقص  ، وختمها كصاحب محل حلاقة كبير يعمل تحت إمرته – وبإشارة من مقصه - عدد من أبناء جلدته .. مر عليه خلال هذا العمر آلاف الرؤوس : بيضاء وسوداء وبين بين ، رؤوس تحمل أفكاراً عبقرية وأخرى متخففة من أي ثقل ، رؤوس شيوخ وعبيد ونجارين وصيادين وفلاحين ونادلين ومدرسين ومديري مصانع ودكاترة ومفحطين، ومخبرين ، وباحثين عن دور ،  روؤس لتلاميذ مجدين يسهرون الليل في المذاكرة، وآخرين يسهرونه في متابعة مباريات ميسي ورونالدو.. رؤوس مرتفعة لعنان السماء وأخرى منخفضة خاضعة لتراب الأرض .. لا يعني هذا أن شوزيت هو الحلاق الوحيد ، ولكن لا يختلف اثنان – بشرط ألا يكونا أصلعين - أنه هو الأبرز والأشهر في قرية لا أدري حتى هذه اللحظة سر كثرة صالونات الحلاقة فيها . في مسافة 100 متر فقط – وبالقرب من محطة بترول الردة  - هناك سبعة صالونات : صالون شوزيت ، وصالون بابو ، وصالون دلال ، وصالون الشفرة السحرية ، وصالون الباكستاني لياقت ، وصالون الرجال للحلاقة. ، وصالون دنيا الحلاقة .   إن ذا لكثيرٌ ، خاصة على امرئ قضى تسعة أيام بلياليها يذرع لاس فيجاس بحثاً عن صالون حلاقة واحد بلا جدوى !! .. ولكن يبدو أن أهل الردة مهووسون بالتخلص من شعورهم لتبقى رؤوسهم نظيفة ..  ولو أن أحداً قام بإحصاء الشعرات التي اضطلع شوزيت فقط بقصها طوال أكثر من ربع قرن لتحدثنا عن ملايين الشعرات وربما مليارات ، فما بالكم بالحلاقين الآخرين ..  تحدث الشاعر الفرنسي بودلير في يومياته عن أنه يمكن القول إن  الناس يذهبون للنوم كل ليلة بجرأة غير معقولة لولا أننا نعرف أنها جرأة الجاهل بالخطر .  هذا الجهل بالخطر عينه هو ما يدفع أهل الردة للهرولة للحلاقين غير مدركين لخطورة أنه مع كل شعرة تسقط من رأس أحدهم فان جزءاً من الثانية يسقط من عمره ،  وعندما يكنس الحلاقون  أرضيات صالوناتهم  آخر الليل فإنهم لا يكنسون في  الواقع إلا أعمارنا الآفلة   ..</p>
<p dir="rtl">قبل سنة من وفاته لم يكن محل شوزيت كبيرا ، لكأنه أراد بتوسعته قبل أن يموت أن يوفر ظروف عمل جيدة لزملائه الأربعة  : بيدان ، وأوديب ، وميتول ، وكوشوم ، ابن أخيه الذي يفضل أخي محمود حلاقته على حلاقة شوزيت زاعما أن هذا الأخير لا تظهر المضاعفات السلبية لحلاقته إلا بعد يومين !! ! . لكن هذا الكلام في الواقع ينطوي على قدر كبير من التحامل   فمنذ بدأ يحلقني لا أذكر أن شوزيت جرحني مرة واحدة ، بعكس راجو الجبان ، الذي لا يكتفي بجرح زبونه بل ينهره أيضا كإجراء احترازي يستبق الثورة العارمة التي قد تصدر عن هذا الزبون ، على طريقة &#8221;جرحني وبكى ، وسبقني و&#8230;. &#8221; .. هذا تصرف جبان ما كان شوزيت ليقترفه لو افترضنا جدلاً أنه جرح بالخطأ<a name="0.2__ftnref2"></a><a href="https://mail-attachment.googleusercontent.com/attachment/u/1/?ui=2&amp;ik=1f096eeced&amp;view=att&amp;th=13755578e0f3aca3&amp;attid=0.2&amp;disp=vah&amp;realattid=f_h1kcvvcz0&amp;safe=1&amp;zw&amp;saduie=AG9B_P8BDuFxBTzrdYsFXO6iiEbf&amp;sadet=1337331414669&amp;sads=e3im-xrggoK0c07I4phrT5Tv-Uw&amp;sadssc=1#0.2__ftn2">[2]</a> أحد زبائنه يوما ، ذلك أنه من النوع الذي لا يخجل من مواجهة أخطائه ، أو على الأقل هذه هي فكرتي عنه .. ولكني أعذر محموداً في رأيه المتطرف هذا  لأنه جرب حلاقة الباكستاني فهيم صاحب &#8221;الشفرة السحرية&#8221; ، وهذا لا يضاهيه في الردة حلاق ، ولا حتى شوزيت نفسه ، لدرجة أن أحد أعيان الردة عرض عليه – أي على فهيم - خمسين ريالاً ليقوم بحلاقةٍ &#8221;دليفري&#8221;لأبيه عشية أحد الأعياد ، وكم احترمتُ هذا الـ&#8221;فهيم&#8221; الذي رفض العرض المغري احتراماً لزبائنه الذين ينتظرون دورهم في مقاعد الصالون في ليلة لا يمكن تأجيل الحلاقة فيها إلى الغد ..</p>
<p dir="rtl">شوزيت كان من الممكن أيضا أن تحجز موعدك لديه في ليلة العيد عندما كان في عز عنفوانه ، حتى ولو كان هذا الموعد هو الثانية أو الثالثة صباحا .. أما في أيامه الأخيرة فكان واضحاً اعتماده على زملائه الأربعة مكتفيا بفضيلة الإشراف والمتابعة .. في لقائنا الأخير في صالونه كان باديا عليه الإنهاك والتعب ، كان مسترخياً في كرسيّه ويكتفي بإطلاق تعليق هنا أو عبارة هناك .. وعندما حان دوري أسلمني لزميله أوديب الذي لا علاقة له بالمناسبة برجل الأسطورة اليونانية الذي قتل أباه بالخطأ ثم تزوج أمه دون أن يعرف أنها أمه !.. كنتُ في قرارة نفسي لا أتمنى أن يحلقني إلا شوزيت ولكني لم أشأ أن ألح عليه بعد ما رأيته من شحوب وجهه .. ولو أني كنتُ أعلم أن هذا هو اللقاء الأخير لأصررتُ عليه ، وكان سيتحامل على نفسه وسيحلقني .. عندما تصر  على حلاق بعينه من بين عدة خيارات فالمؤكد أنه سيعتبر هذا اعترافاً بأهميته وخبرته .. سيسعد بذلك لا شك ، كأنك تصر على  مطرب أن يعيد أغنية بعينها ، أو تطالب شاعراً أن يعيد القصيدة نفسها  .. قد يكون من المبالغة استدعاء الشِعْر عند الحديث عن الشَعْر غير أن المؤكد أن شوزيت كان ذا لمسة حريفةتجعلك تشعر براحة نفسية عندما يتولى حلاقتك، يشهد على ذلك الأطفال الذين لا يجيدون تزويق مشاعرهم ولا تزييفها بل تظهر هكذا  بشكل عفوي.. فمثلاً كان عمار بن هلال  ( ابن أختي ) ذو السنوات الثلاث يجلس على  أحد كراسي الانتظار بانتظار فراغ أبيه من الحلاقة بيد أحد زملاء شوزيت .. لم يكن هلال ينوي حلاقة  رأس عمار هذه المرة  إذ لم يمض أسبوع على حلاقته  الأخيرة من قِبَل شوزيت لا غيره .. بيد أن عماراً ما إن رأى زبون شوزيت يترجل من الكرسي حتى وثب بسرعة وجلس  مكانه وطلب من شوزيت أن يحلقه ، رغم أنه – أي عمار -  لم يفعل هذا الأمر عندما شغرتْ مقاعد زملاء شوزيت  .. نظر  هذا الأخير لهلال الذي  رشق شوزيت بغمزة ففهمها وهي طائرة .. قام برش الماء على رأس عمار وهو يداعبه ، ومشط شعره ، وأمسك بالمقص وطفق يحلق الهواء ، فيما يبتسم عمار المسكين منتشيا بالحلاقة الوهمية !   .. ثمة عبارة شعبية مصرية تصف خداع شخص لشخص آخر بالقول : &#8220;حلق له &#8221; ، هنا حلق شوزيت لعمّار بهذا المعنى المصري للكلمة .. ولا أدري ما علاقة الحلاقة بالخداع ، ولكن يبدو أن هذه الفكرة السيئة عن الحلاقة ترسبتْ في لاوعي العمانيين من فرط ما شاهدوا مسلسلات وأفلاماً مصرية ، فلا نجد عمانياً واحداً في مهنة حلاق ، رغم عشرات الألوف من العاطلين الذين تسميهم الحكومة باحثين عن عمل ، في حين أنهم لا يبحثون ولا هم يحزنون .. العماني لا &#8221;يحلق&#8221; لأخيه ولا يخدعه لأنه &#8221;طيب&#8221; ، ثم أن العماني متحفظ ، لا يبدي أفكاره – ما حَسُن منها وما قَبُح – لأخيه العماني مخافة الحسد وأشياء أخرى، ولكن لا ضير أن تطير هذه الأفكار من رأسه أمام حلاق هندي أو بنغالي أو باكستاني ، فهؤلاء في النهاية أغراب ولا يجيدون اللهجة العُمانية التي تتحدث بها هذه الأفكار ! .</p>
<p dir="rtl">اللهجة العمانية بالمناسبة هي أول تعرفي على شوزيت وأول سوء فهم بيني وبينه .. كان ذلك منذ سنوات طويلة لا أذكرها بالضبط  ولكن لا تقل عن العشرين على أية حال .. وإذا كان اللقاء الأول هو الذي يحدد عادة شكل علاقتنا المستقبلي بالشخص الذي نقابله فان لقائي الأول بشوزيت أسهم بشكل كبير في اتخاذي موقفا سلبيا منه ، لم يتغير إلا في السنتين الأخيرتين من حياته.. أذكر ذلك اليوم جيدا ..  كان في نهاية ثمانينيات القرن الماضي أو بداية تسعينياته ربما  ، وكنتُ على مقعد الحلاقة بين يدي شوزيت الذي يحلقني ويثرثر كعادته.. وكان ناصر بن خميس ينتظر دوره في الحلاقة ويثرثر هو الآخر عندما قال شيئا لم أعد أذكره الآن ولكنه بدا غير معقول أو قابل للتصديق من قِبَل شوزيت ، فقال لناصر بطريقة عفوية : ( &#8230; ) .. توقعتُ لحظتها أن تُغضِب تلك الكلمة العمانية النابية التي لا يقولها إلا رَدِّيٌّ ( من الردة ) قح ناصراً وتجعله يثب من مقعده ليُمسك بخناق الحلاق ، لكن شيئا من ذلك لم يحدث !   .. ربما لأن ناصراً حليم ، وربما لأنه كان معتادا على بذاءات الحلاقين .. منذ ذلك اليوم ارتفع جدارٌ ما بيني وبين  شوزيت  أعلى بكثير من جدار مصنع الثلج المجاور .. . بدا لي سوقيا وثرثارا أكثر مما ينبغي لحلاق ، خاصة وأن الصورة النمطية للحلاق لدي في ذلك الوقت هي شخصية راجو : الرجل الصامت الذي تكاد تظنه من شح كلامه أخرس .. ولكن ، ألا يحق لشوزيت أن يتكلم بغير المقص ؟! ..   الآن بعد هذه المسافة البعيدة عن هذا البنغالي الذي لا أدري في أي نهر تناثر رماده اليوم أستطيع أن أقول إن ما عدَدْتُه قبل عشرين سنة عيبا لم يكن في الواقع إلا ميزة .. تلك الثرثرة  هي سر أسطورة شوزيت .. فقد جمع ما بين سلاطة لسان &#8221;حلاق اشبيلية&#8221; ، وسحر حكايات &#8221;الحلاق  الذي قضم النمر رأس عمه&#8221; في قصة وليام سارويان.. بل انه إلى هذا الأخير أقرب ، ذلك الحلاق المميز بمشيته وطريقة كلامه وحركاته ، والذي يستقبلك بفنجان قهوة وشيء من الدهشة كونك لم تزره في صالونه من قبل وهو الشخصية ذات الأهمية الكبرى في المدينة .. سيطلب منك أن تجلس وتستريح &#8221;فلن يطول شعرك خلال ساعة&#8221; ، ويبدأ إخبارك عن العالم بحنكة رجل مجرب.. الفرق أن شوزيت لن يحكي لي عن عمه الذي قلبت له الدنيا ظهر المجن واضطرته بعد أن كان مصارعا كبيرا يخشاه الجميع أن يعمل في سيرك وتكون مهمته إدخال رأسه في فك نمر  سيمهله بعض الوقت قبل أن يقضمه ذات مزاج سيء ، تماما كما يفعل الموت بنا عادةً ، بل إن شوزيت سيحكي لك عنك إذ يحكي عن نفسه ، سيقول مثلاً  إن فلان الفلاني صدمته اليوم سيارة  عند التقاطع ومات ، سيتحدث عما يجري في دوار الكرة الأرضية بصحار وسيحلله كأي سياسي محنك .. وسيسرد لك أن أحد الوزراء السابقين أسلمه ذقنه اليوم فحلقه بخمسة ريالات مرة واحدة !! ، سيتحدث بمرارة  حكيم عن الزيف الذي يعيشه الإنسان حتى في مأكله ومشربه.. سيقول لك إن الأمراض تكاثرت على الناس اليوم لأن كل مأكولاتهم غير صحية : &#8220;دجاج فيه  دوا ، طماط  فيه دوا ، كلش في دوا &#8221; قاصداً بهذا &#8221;الدوا&#8221; الإضافات الكيميائية المسببة للأمراض .. سيحكي عن حنينه لابنتيه دون أن يحاكي مطلقاً حلاق محمود الرحبي الرخو الذي تسقط دمعته من الحنين على خد زبونه ! .. سيسألني عن أخي سيف إن كان عاد من بريطانيا ولن ينسى أن يجري مقارنة بين احترام الناس للوقت هناك وعدم اكتراثهم به هنا .. وإذا كان جدار مصنع ثلج الردة قدهشمه ذات صباح سائق لكزس نصف سكران فان جدار شوزيت حطمه هو بنفسه بهذه التفاصيل الصغيرة التي يقول عنها فرناندو بيسوا  إنها تمتلك استقلالها المطلق عن أي ارتباط قذر بالواقع .. ألا يكفي مثلاً أن أغيب عدة سنوات عن صالونه ، لكوني اعتدتُ الحلاقة في مسقط ، فيقابلني بالترحاب ويخاطبني بود : &#8220;خوين<a name="0.2__ftnref3"></a><a href="https://mail-attachment.googleusercontent.com/attachment/u/1/?ui=2&amp;ik=1f096eeced&amp;view=att&amp;th=13755578e0f3aca3&amp;attid=0.2&amp;disp=vah&amp;realattid=f_h1kcvvcz0&amp;safe=1&amp;zw&amp;saduie=AG9B_P8BDuFxBTzrdYsFXO6iiEbf&amp;sadet=1337331414669&amp;sads=e3im-xrggoK0c07I4phrT5Tv-Uw&amp;sadssc=1#0.2__ftn3">[3]</a> أنته سوليمن ؟&#8221;   كيف لم ينسَ اسمي طوال هذه السنوات ؟! ألا يكفي أن يطلب من زملائه خفض صوت الأغنية الهندية في التلفاز بمجرد أن يتناهى إلى أذنه صوت الأذان ، وهو الرجل البانيان ؟! .. ثمة تفاصيل كهذه تجبر المرء على حب شوزيت واحترامه ، سواء من أهل الردة - حتى وان لم يتفقوا تماما عليه كحلاق ممتاز -  أم من أبناء جلدته البنغاليين الذين تجمهروا عند مثلث الردة لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمانه القادم من مستشفى صحار والذاهب إلى مطار مسقط في صندوق لم يكلف&#8221;أربابه&#8221; ود المحمودي بيسة واحدة ، بعد أن تبرع بثمنه أحد البنغاليين الذين كان لشوزيت أياد بيضاء عليه ولسان حاله يقول : &#8220;نحن أولى بشوزيت منكم يا أهل الردة &#8221; ! . هناك تحلقوا حول الجثمان زرافات : فلاحون ، وبنّاؤون ، وحلاقون ، يترنمون في دواخلهم : &#8220;أنت السابق يا شوزيت ونحن اللاحقون&#8221; ، بعضهم كان قد فرغ لتوه من تسجيل صوته في شريط كاسيت ليرسله إلى البلاد البعيدة ، والبعض الآخر بات يسخر من هكذا تسجيلات لم يعد بحاجة إليها في زمن الواتس أب.. البنّاؤون محدودبو الظهور ، والحلاقون منفوشو الشعر ، وكأنهم يريدونك أن تتساءل : إذا كان باب النجار &#8221;مخلّع&#8221; ألا يصير أن مقص الحلاق مثلوم ؟! .. والروائح التي تنبعث من أجسادهم الكليلة ما كنتَ لتتغاضى عنها لولا هيبة الموت ..في موقف آخر كنتَ بمجرد تسرّب هذه الرائحة إلى خياشيمك ستذكّر شوزيت بتأفف بالقانون الذي سنّته بلدة واترلو التابعة لولاية نبراسكا الأمريكية ، والذي يمنع الحلاقين من أكل البصل بين السابعة صباحا والسابعة مساء ، وستضيف إليه من عندك : &#8220;مع ضرورة استعمال مزيل العرق في الفترة المذكورة&#8221; .. سيبتسم بمكر وسيقول : سنتفاهم بعد أن أفرغ من حلاقة هذا الأصلع .. والمؤكد أن حلاقاً ذا حس إنساني مرهف كشوزيت سيطلب من زبونه الأصلع هذا نصف الأجر فقط دون أن يخشى جرح مشاعره وإثارة شعوره بنقص الشَعر ، ففي النهاية ليس كل الزبائن ادواردو غاليانو  ، ولن يحتاج شوزيت إلى ثقافة عالية ليعزي زبونه بطريقته الخاصة أنْ لو كان الشعر مهمّا لنما داخل رؤوسنا لا خارجها .</p>
<p dir="rtl">ما يُحزنني من أمر شوزيت أن عينه أغمضت للأبد قبل أن ترى اليوتيوب الذي طالما حثثتُ أخي خالداً على أن يريَه إياه ، خاصة وأن علاقة خالد به مميزة ..   أو هكذا كنتُ أظن قبل أن أعرف أن خالداً ينفذ إضرابا مفتوحا عن شوزيت ويعاقبه ببابو!! ، لأن الأول لم يستجب لرغبة خالد المستعجلة في حلاقة سريعة متجاوزة لأدوار الآخرين !! .. خلال فترة الإضراب هذه كان شوزيت يسأل مراراً عن خالد ويبعث له المراسيل ليعود ، فعاد ولكن كتطييب للخاطر أكثر منه زبونا ، سلام من بعيد فقط مخافة الإصابة بالعدوى بالـ hepatitis الذي أصيب به شوزيت وجعل الدم يخرج من أذنه أحيانا .. كان عليَّ أن أستجمع شجاعتي وأريه الحلقة بنفسي .. لماذا كنتُ متهيباً من ردة  فعله لهذه الدرجة ؟! .. لعله كان سيسعد أنه أول حلاق في عُمان – على كثرتهم – تجسد شخصيته في مسلسل كارتوني .. لعله كان سينظر إلى النصف المليء من زجاجة الكولونيا الرخيصة :  ثمة كاتب أراد أن يجسّد شخصية حلاق فكان شوزيت هو النموذج ..  لا فهيم ، ولا بابو ، ولا راجو ، ولا ميثول ، ولا كشوم ، ولا أوديب ، ولا بيدان .. ولعله كان سيطلب أن أرسل له المقطع على هاتفه النقال .. ولعله سيفرح حين يفهم من السياق أن هذا الحلاق تسبب  في تشويه أنف عضو مجلس الشورى بالندبة السوداء التي تركتها ماكينته في أنفه ، خاصة إذا ما تبرع أحدهم بإيهامه  - ولو على سبيل الاستظراف - أن هذا العضو الذي يجسده عارف البرذول هو كفيل الحلاق المنافس بابو .. ولعله – أي شوزيت - سيغضب وسيطلق شتيمة نابية كتلك التي هتف بها في حضور جميع زبائنه فأضحكتْهم عندما سمع صراخ عجلات سيارة &#8221;تفحط&#8221; في الشارع المقابل لمحله متذمرا من عدم استطاعته النوم ليلا في غرفته التي تقع خلف محل الحلاقة بسب هؤلاء المفحطين المراهقين الأوغاد .. حينها سأحلف له أن راجو هو الذي ألهمني هذه الندبة وليس هو .. نعم .. أنها ندبة راجو في أنفي تجسدت على الورق .، ولكني لم أشأ أن أسمي الحلاق راجو لأنه ليس ثرثارا كما تتطلب الشخصية .. كلا .. لا تفهمني خطأً يا شوزيت : أقصد أنك ترفع الكلفة مع زبائنك وتتحدث كثيرا إليهم ولا تتحرج من سؤالهم عن خصوصياتهم ، وهذه هي الصفات التي كنتُ أريدها في ذلك السرد.. ثم انك الحلاق الذي يشعر زبائنه بالألفة إليه فيعطونه أسرارهم الشخصية ، تماما كحلاق اللاعب سيسك فابريغاس الذي عرف قبل الجميع أن زبونه سينتقل إلى برشلونة لأنه لا يحب ريال مدريد ولا تشيلسي .. ودعْني أَقُلْ شيئا أثق أنه سيصل إلى رمادك : ذلك الحلاق لم يظهر إلا ثواني معدودة في بداية الحلقة ولكن حبكتها كلها ما كانت لتقوم بدونه .. ألا يشعرك بالزهو أن تكون على الشاشة – كما كنت في الحياة - ضيفاً خفيفا  عابراً ولكن بتأثير بالغ ؟! .. .. بلى ، لشوزيت أن يزهو  أنه ترك بصمته في الردة التي دخلها شابا فمنحها ما تبقى من عُمُره فوهبتْه هي بدورها رؤوس أهلها ، تمرغ في رمل شاطئها ولسان حاله حكمة ابن بلاده الشاعر البنغالي الكبير طاغور ، المتفائل بطريقته الخاصة : &#8220;إذا لم أقصد العبور من أحد الأبواب فسأقصد بابا آخر ، أو أصنع بابا&#8221; .. صنع شوزيت بابه ومضى دون أن يقبض على لؤلؤة الردة العصية ، سعيداً – مع هذا - بشرف المحاولة ، شيء من روحه باق يضمخ المكان .. أما الجسد الفاني فاحترق بالنار في بنجلاديشوتناثر رماد ذكراه في الردة .</p>
<p dir="rtl">1</p>
<p dir="rtl">ة</p>
</div>
<hr />
<p dir="rtl"><a name="0.2__ftn1"></a><a href="https://mail-attachment.googleusercontent.com/attachment/u/1/?ui=2&amp;ik=1f096eeced&amp;view=att&amp;th=13755578e0f3aca3&amp;attid=0.2&amp;disp=vah&amp;realattid=f_h1kcvvcz0&amp;safe=1&amp;zw&amp;saduie=AG9B_P8BDuFxBTzrdYsFXO6iiEbf&amp;sadet=1337331414669&amp;sads=e3im-xrggoK0c07I4phrT5Tv-Uw&amp;sadssc=1#0.2__ftnref1">[1]</a>   حاولت معرفة السبب في تسمّي بنغالي بهذا الاسم العربي الأنثوي : دلال ، فوجدتُ عددا من الرويات المتناقضة ، احداها  أن هذا الحلاق كان يهوى أن يدندن أغاني بنغالية أثناء حلاقته لرؤوس زبائنه فكان أن أطلق عليه أحدهم تهكماً اسم  دلال أشهر مطربة في صحم في الثلاثين سنة الماضية ، ورواية أخرى تقول انه كان يدلل زبائنه ويمسح على رؤوسهم بحنان ولذلك سمي بـ&#8221;دلال&#8221; ، وفريق ثالث يرى أن اسم &#8220;دلال&#8221; هو تحريف لاسمه البنغالي ، كعادة العمانيين عندما  يعربون الاسم الأجنبي حتى وان بدا للوهلة الأولى عصيا على التعريب ، كأن يطلقوا على المكتب أو الـ office حفيس ،   وعلى  الـover time  وار تيم .. وعلى المصباح أو الـ lightـ  &#8220;ليت&#8221; وهلم جرا</p>
<p dir="rtl"><a name="0.2__ftn2"></a><a href="https://mail-attachment.googleusercontent.com/attachment/u/1/?ui=2&amp;ik=1f096eeced&amp;view=att&amp;th=13755578e0f3aca3&amp;attid=0.2&amp;disp=vah&amp;realattid=f_h1kcvvcz0&amp;safe=1&amp;zw&amp;saduie=AG9B_P8BDuFxBTzrdYsFXO6iiEbf&amp;sadet=1337331414669&amp;sads=e3im-xrggoK0c07I4phrT5Tv-Uw&amp;sadssc=1#0.2__ftnref2">[2]</a> من نافل القول أن أقول بالخطأ فلا أحد يتصور أن يجرح حلاق زبونه بالعمد إلا إذا كان مجرما ، أو بطلاً لأحد أفلام الرعب .. وأظن أن ميلي للهدوء  والصمت أثناء الحلاقة والحلم على غلطات الحلاقين البسيطة هو ذلك الرعب الجواني الدفين  الذي يجعلتي أتساءل داخلي بخوف وأنا على كرسي الحلاق : ماذا لو واتتْه الآن فكرة مجنونة أن يشرط رقبتي بموساه ؟! .. آه ، يا الهي .. من الأفضل أن أغمض عيني لأبعد هذا الخاطر المرعب</p>
<p dir="rtl"><a name="0.2__ftn3"></a><a href="https://mail-attachment.googleusercontent.com/attachment/u/1/?ui=2&amp;ik=1f096eeced&amp;view=att&amp;th=13755578e0f3aca3&amp;attid=0.2&amp;disp=vah&amp;realattid=f_h1kcvvcz0&amp;safe=1&amp;zw&amp;saduie=AG9B_P8BDuFxBTzrdYsFXO6iiEbf&amp;sadet=1337331414669&amp;sads=e3im-xrggoK0c07I4phrT5Tv-Uw&amp;sadssc=1#0.2__ftnref3">[3]</a> أداة الاستفهام العمانية &#8220;وين&#8221; التي تعني &#8220;أين&#8221; يسبقها البنغاليون عادة بحرف الخاء لتتحول الى &#8220;خوين&#8221;</p>
<p dir="rtl">
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3701/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>كشكول الحراك العماني</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3690</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3690#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 07 May 2012 04:00:57 +0000</pubDate>
		<dc:creator>يوسف البلوشي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الخامس والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3690</guid>
		<description><![CDATA[أكتب هذا المقال السريع قبيل مغادرتي لأرض عمان بعد إجازة سريعة وخاطفة حظيت بها وسط إلتزامات البحث والدراسة خارج الوطن. هذه الأيام القليلة الماضية لم تكن قطعاً كسابقاتها في حقبة ما قبل 2011، من حيث سرعة الإيقاع ومستوى الحراك وشموليته في جميع المشاهد العمانية. وكحال معظم دول الخليج؛ أكثر ما يلفت انتباه المنقطع عن أرض الوطن هو التغييرات العمرانية من خرسان واسمنت، وقليل من التغيير [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL">أكتب هذا المقال السريع قبيل مغادرتي لأرض عمان بعد إجازة سريعة وخاطفة حظيت بها وسط إلتزامات البحث والدراسة خارج الوطن. هذه الأيام القليلة الماضية لم تكن قطعاً كسابقاتها في حقبة ما قبل 2011، من حيث سرعة الإيقاع ومستوى الحراك وشموليته في جميع المشاهد العمانية. وكحال معظم دول الخليج؛ أكثر ما يلفت انتباه المنقطع عن أرض الوطن هو التغييرات العمرانية من خرسان واسمنت، وقليل من التغيير الطفيف على المستوى الاجتماعي. لكن هذه المرة بالذات أستطيع القول وبكل اعتزاز بأن عمان تغيرت وتتغير وتسرع كثيراً في التغير. فعمان اليوم غدت أسرع من عمان الأمس (والأمس يعود لحقبة ما قبل العام 2011)، تركتها تموج وسط زخم التطورات المتسارعة، وكل مشاهدها تمثل أمواجاً متلاطمة نحو التغيير والتطوير، وجميعها تدفع بهذا المجتمع &#8220;الحي&#8221; نحو سباق التقدم، والأهم أن ذلك الجمود القاتل والسكون الفاتر أصبح من مخلفات الماضي. وكما يبدو أن الشهور القليلة الماضية كانت بمثابة &#8220;الفلتر&#8221; الذي أسقط كل ما هو &#8220;زائف&#8221; أو غير حقيقي. فلم يعد ثمة موقع للسياسي الزائف أو الاقتصادي الزائف أو المثقف الزائف أو الناشط الزائف. فمن المبشر في عمان أن المستوى المجتمعي في تقييم القول والأداء بدا أكثر نضجاً وأكثر بعداً من ذي قبل عن الحوار العاطفي – وإن كان لا يلغيه تماماً.</p>
<p dir="RTL">فالمشهد السياسي في البلاد يبدو أكثر تفاعلاً وديناميكية من أي زمن مضى، يأتي ذلك بعد جملة التعديلات الدستورية والتشريعية التي منحت مجلس عمان الكثير من الصلاحيات الرقابية والتشريعية، علاوة على تعزيز استقلالية السلك القضائي، الأمر الذي أهّل هذه السلطات للتناغم مع جهود الحكومة في إحداث إصلاحاتها الشاملة وتصحيح مساراتها التنموية. بيد أن الحكومة بدت لي أكثر رشاقة وديناميكية من مجلس عمان &#8211; بشقيه الشورى والدولة – حيث أضفت عليها اللمسة التكنوقراطية مفهوماً جديداً نحو تعزيز برامج التطوير المبني على العمق المعرفي. وعزز ذلك رفع مستوى الحريات الإعلامية، وإطلاق العنان للإعلام الرسمي أن يقوم مقام &#8220;إعلام دولة ومجتمع&#8221; يساعد في البناء المؤسساتي الرسمي، ويقوم مقام صمّام الأمان الأول لمؤسساته، وسلطة أولى لتقييم الأداء الحكومي.</p>
<p dir="RTL">لكن أمواج التغيير التكنوقراطي لا تزال تصطدم بصخور الإرث القديم من الذهنية البيروقراطية، وثقافة &#8220;المسؤول المقدس&#8221;، حيث لا يزال التفكير بعقلية البيروقراطية الحكومية العتيقة المسيطر الأساس في اتخاذ الكثير من القرارات الحكومية. كما تصطدم طموحات بعض المسؤولين المتحمسين بصخرة ضعف – بل وافتقار – التأهيل وتنمية الموارد البشرية في المؤسسات الحكومية، ناهيك عن افتقارها وبعدها عن اتخاذ المنهج العلمي أساساً لحل المشكلات، علاوة عن وأد المبادرات والمحاولات الإبداعية داخل المؤسسات الحكومية. إلا أن النفخ في كوم الرماد سيشعل جذوة نار المبدعين لا محالة، ولا بد من إيقاظ العملاق النائم في مؤسسات الحكومة.</p>
<p dir="RTL">وعلى الرغم من حجم الصلاحيات الممنوحة لمجلس الشورى؛ إلا أن المجلس لم يجرب بعد جميع حدوده وصلاحياته، وفي نظري لما يزل في مرحلة التجريب وقليل من &#8220;عدم التصديق&#8221; بأن هناك مجالاً للمشاركة مع مؤسسات الحكومة في عمليات البناء والتطوير. إلا أن المشهد الديموقراطي في عمان لا محالة سيصطدم بما يعرف &#8220;بالمواجهة الأحادية المعارضة&#8221; في مجلس الشورى، حيث أن جميع مناقشات ممثلي الحكومة في المجلس ستكون تغريداً فريداً وسط حشد من المعارضين، ذلك أن عمان لم تتحول كلياً إلى دولة متعددة الأحزاب، وبالتالي فإن الوزير الماثل أمام مجلس الشورى لن يجد من يصفق له بمرور الوقت حين يلقي بياناته. ما يعني والمتوقع وليس مستبعداً أن نشهد عمّا قريب &#8220;حلاً أو إحلالاً&#8221; لمجلس الشورى كنتيجة طبيعية لهذا المشهد المشابه لتجربة البرلمان الكويتي الموقر. وأعتقد حينها سنصل إلى عنق الزجاجة، مما يستدعي البحث واتخاذ خطوات استباقية لمنع تكرار التأزمات السياسية بين الحكومة وممثلي الشعب، وحتى لا تتوقف فيما بعد عمليات التنمية في البلد.</p>
<p dir="RTL">إن التغييرات الشاملة التي أحدثت على نطاق المؤسسات الأمنية، وتوحيد بنية القرار الإداري في الدولة من وضع &#8220;التكتلات المتصارعة&#8221; بين أقطاب الحكومة في الفترة السابقة، إلى وضع &#8220;العزف الجماعي المتناغم&#8221; ساعد في حل الكثير من المشكلات الإدارية المستعصية التي كانت تواجه الحكومة في متابعة وتطوير العمل الحكومي. وعلى الرغم من انطواء &#8220;الأجهزة الأمنية&#8221; في سياساتها وبرامجها المحلية في التنمية والتطوير، إلا أننا نستطيع قراءة بعضاً من أهم هذه المؤشرات الميدانية التي تبعث على الارتياح. حيث اتجهت الآن هذه الأجهزة إلى التأكيد على رأب كل التصدعات الإدارية الناتجة من الإخفاقات في أداء المؤسسات الخدمية، وأصبحت تبحث خلف اكتشاف الأخطاء وتقويمها وإعطاء المشورة في تقديمها بالشكل الذي يستوعب طاقات وحاجات ورغبات المجتمع. وأعتقد أن هذا الدور الذي ينطلق من مفهوم &#8220;الأمن والتنمية&#8221; هو ما أسست عليه هذه الأجهزة في الأساس. وحينما تتظافر جهود المؤسسات الأمنية مع المؤسسات المدنية والمجتمعية فإن ذلك بلا شك سيعزز مكانتها الطليعية، وسيسوّغ دورها الحساس لدى المجتمع العماني. إلا أنها لا تزال تمارس هذه الريادة في الخفاء وتطل علينا مؤشراتها على استحياء من بعيد، حيث لم تعد أجهزة الأمن المتطورة حول العالم تمارس هذا الأسلوب القديم. فالمجتمع العماني اليوم أصبح أكثر وعياً وحدقاً بكل مجريات الأمور من حوله، وأصبح أكثر اطلاعاً وشغفاً للاكتشاف، ولا تزال نظرة &#8220;الانسان عدو ما يجهل&#8221; هي الحاكمة في علاقة الذهنية البسيطة لدى المواطن العماني نحو الأجهزة الأمنية.</p>
<p dir="RTL">اقتصادياً؛ تسعى الحكومة إلى تحقيق نمواً اقتصادياً كغاية جميع اقتصاديات العالم. فالنمو في كل شيء هو المعيار الذي يمكن من خلاله قياس مدى نجاحها رغم كل التحديات التي تواجه المستقبل الاقتصادي للبلاد. وعلى الرغم من قناعة الحكومة بضرورة تنويع مصادر الدخل؛ لا نجد على أرض الواقع مؤشرات زيادة هذه المصادر رغم المحاولات الجادة في هذا الشأن. حيث لا يزال اقتصادنا ريعياً، يستند على الموارد الطبيعية، في الوقت الذي اتجهت جميع الأدبيات الاقتصادية الحديثة إلى الاقتصاد القائم على الابتكار والمعرفة. والعديد من الدول اعتمدت الآن على محوري زيادة الإنتاج وزيادة فرص العمل للشباب في استراتيجيات النمو الاقتصادي، إلا أن الانتعاش في أسواق النفط قد ينسي الحكومة هموم البحث عن البدائل وعن تعزيز محوري زيادة الإنتاج وفرص العمل. لكن الشفافية في تناول الحكومة للقرار الاقتصادي وفي مقابل صحوة المتابعين من الاقتصاديين العمانيين؛ يبعث على الارتياح والتفاؤل في إيجاد رؤىً لحل جميع التحديات الاقتصادية للبلاد. حيث تتزايد الآن وتيرة الحديث عن تقوية ودعم &#8220;المؤسسات الصغيرة والمتوسطة&#8221;. بيد أن هذه المحاولات كثيراً ما تبعد عن إيجاد مفهوماً موازياً للمحتوى العماني المحلي لما يعرف بريادة الأعمال، وربطه بأسس الاقتصاد الإسلامي الذي بدأت تباشيره في عمان مؤخراً، والاستفادة من الإرث الضخم من أدبيات &#8220;الوقف الاسلامي&#8221; في تطوير مؤسسات الشباب.</p>
<p dir="RTL">أما عن الصعيد الثقافي والفكري؛ فعمان اليوم تنشط في مناخ معرفي أضحى أكثر إنارة، فمع دخول ما يعرف بالفكر &#8220;العقلاني&#8221; خط الحوار الوطني أصبح العقل أكثر تمجيداً، وعلى الرغم من تعارضه ورفضه قيود الروايات و &#8220;العنعنة الرجالية&#8221; إلا أنه في نظري أثرى الفكر الديني الأصولي كثيراً في عمان. فلم تعد تلك التشنجات السابقة المبنية على التقديس العاطفي للفكر الديني هي المحرك لدى العديد من المتدينين، ولم يعد يقنع الكثير منهم النزوح إلى تهميش العقل وتغليب النص أكثر من احترام الاتساق العقلي المنطقي مع تمجيد الأصل القرآني. إلا أن رواد المنهج العقلاني في عمان يغلب عليهم النزوح إلى المنازلات المبكرة مع الفكر الديني، الأمر الذي أراه شخصياً استباقاً في غير أوانه، حيث أن هذا المنهج لما يزل يتشكل في التاريخ الاسلامي، وكل المحاولات العلمية السابقة لم تبن جميع لبناته، ولا يزال بحاجة إلى تأصيل وتنظير أداوته البحثية، لأن الاتساق المنطقي وحده تحفه العديد من المشارب الفكرية التي يستقي منها أسس الاستقراء والاستنباط والاستنتاج التي إلى يومنا هذا لا تزال محل جدل واسع وسط العلماء في شتى ميادين العلوم، التي انعكست على رؤيتهم المتعددة في أخلاقيات العلوم والمعرفة، ومن الممكن أن لا يستطيع استيعابها المتلقي البسيط. ذلك أن الموقف الابستمولوجي لدى الباحثين لا يزال موقفاً هلامياً يستحيل تمييزه بسهولة من قبل القارئ العادي مما قد يخلط الكثير من المواقف الفكرية المترتبة عليه لاحقاً. إلا أن تغليب هذا المنهج في الحكم على الموروث من الروايات المتناحرة بين المذاهب الاسلامية بلا شك سيضع حداً للكثير من الصراعات التي مزقت الأمة الاسلامية طيلة القرون الأربعة عشر الماضية، ومن الممكن أن يبشر بعهد تنويري يعيد للعقل الاسلامي هيبته ويحرره من قيوده العتيقة.</p>
<p dir="RTL">وأما على صعيد الانتاج الفني والثقافي، فهناك انتعاش فني وثقافي في شتى الفنون والآداب. حيث نشهد ربيعاً عمانياً على مستوى الدراما والتمثيل التلفزيوني، وبوازيه في المقابل ربيع مسرحي عماني. لكننا نشهد نفس الإشكالية المزمنة في العمل الفني، وهي أن الكثير من هذه الأعمال لا تزال تتسابق لتحجز حيز الشاشة الرمضانية، ويلاحظ بشكل دقيق مدى النزق نحو تنفيذ الأعمال الفنية لاتمامها للشهر الفضيل. لكن هذا التنافس بلا شك سيخلق حالة صحية نحو الإجادة في الأعمال المقدمة، حيث تنزع الكثير من هذه الأعمال إلى الخروج من حيز المسلسلات ذات الشأن العماني، لتناقش قضايا على نطاق أوسع، وهذا طبعاً من باب الحاجة التجارية لتسويقها إلى أكبر عدد ممكن من القنوات الفضائية، الأمر الذي أتاح فرصة تلاقي العديد من الفنانين العمانيين بمجموعة من الفنانين العرب في أعمال مشتركة، وأعتقد أن هذه التجربة رغم سلبياتها على الشأن المحلي الخاص، إلا أنها على المدى البعيد ستثري التجربة العمانية، وهي مرحلة كانت من المفترض أن تقدم في المراحل السابقة للتجربة الدرامية العمانية.</p>
<p dir="RTL">والمشهد الرياضي في عمان هو من أكثر المشاهد عجباً، ففي الوقت الذي تحقق فيه منتخبات السلطنة الكروية إنجازاتها لا نرى ما يتحقق خارج نطاق كرة القدم إلا يسيراً. وأعتقد أن الرياضة العمانية لا تزال تترنح تحت وطأة المفاهيم والأولويات البطولية. وكثيراً ما حذرت شخصياً بجانب بعض الأخوة المتابعين إلى أن الرؤية الوطنية نحو الرياضة لا تزال ضبابية. فمحور &#8220;رياضة البطولات&#8221; الذي تنتهجه وزارة الشؤون الرياضية يخلط الأوراق بين عملها وعمل الاتحادات الرياضية، وأعتقد أن هذا المحور هو من اختصاص الاتحادات الرياضية وليس وزارة الشؤون الرياضية بكل تأكيد. أما دور الوزارة ينبغي أن ينصب حول مفاهيم أخرى مثل &#8220;الرياضة والمجتمع&#8221; و &#8220;الرياضة للجميع&#8221; و&#8221;الرياضة والاقتصاد الجغرافي&#8221; وغيرها. حيث يتم الاستفادة حاليا من الرياضة في تدعيم صحة المجتمع وتدعيم اقتصادياته وتدعيم أسسه الاجتماعية. وهي نطاقات واسعة لهذه الوزارة الفريدة لتحرث فيه الأرض الخصبة نحو المساهمة في عمليات التنمية الشاملة والمستدامة للمجتمع العماني. والحديث عن هذه النطاقات الأخرى غير نطاق &#8220;رياضة البطولات&#8221; يطول، لكن يمكن الإشارة إليه بتفسير السباق المحموم الذي تشارك فيه العديد من دول العالم نحو استضافة البطولات الرياضية العملاقة ككأس العالم والأولمبياد وغيرها.</p>
<p dir="RTL">أخيراً، الكشكول العماني زاخر بالعديد من أنشطة الحراك المجتمعي في شتى الميادين، هذا الحراك لم يكن سيتأتى لولا عناية الرحمن ووجود قيادة واعية ومجموعة كبيرة من المبادرين المخلصين في الميدان العماني. حيث ينشط عدد كبير من المبادرين الحقيقيين نحو تغيير المشهد العماني نحو الأفضل، والأجمل أن هناك تجاوباً وتناغماً بينهم وبين مؤسسات المجتمع الحكومية وغير الحكومية، وأصبح من الجلي تحديد خطوط المحتوى العماني الذي يفضح كل التغريدات القادمة من وراء البحار. وقد لعبت تقنيات التواصل الاجتماعي بلا شك في تفعيل هذا الحراك المتنوع والشامل في السلطنة، وأصبح الشباب وبعض المسؤولين في لقاء يومي ومباشر مع الكثير من التحديات اليومية التي تواجه المجتمع العماني، وقد يكون آخرها وليس أخيرها قضية &#8220;حوادث عمان&#8221; التي لا تزال تتناول من منظور أحادي الأسباب وهو &#8220;محور كفاءة السائق&#8221; في حين لا يزال محوري &#8220;بيئة الطريق&#8221; و&#8221;كفاءة المركبة&#8221; و&#8221;المسؤولية الاجتماعية&#8221; بعيدة عن البحث والاستنتاج. إلا أن النزعة الشبابية والمجتمعية نحو البحث عن الحقائق وهذه الصحوة الجميلة خلقت مناخاً بديعاً للعمل والمتابعة والإنجاز، وقضت على عقود طويلة من ثقافة &#8220;التذمر&#8221; وثقافة &#8220;السبلة&#8221; التي لم تكن تقدم حلولا بقدر ما كانت تؤلب الرأي العام نحو طرف على حساب أطراف أخرى، الأمر الذي أضفى الكثير من التعديلات الفكرية في الطرح الألكتروني أكثر انفتاحاً وتفاؤلاً.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3690/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ذوبان الجليد</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3687</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3687#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 07 May 2012 03:42:41 +0000</pubDate>
		<dc:creator>يعقوب الريامي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الخامس والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[حداء الروح]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3687</guid>
		<description><![CDATA[ارتمى على السرير كثمرة ساقطة من غصن واهن ، أشبك أصابع يديه ثم أخفاهما تحت رأسه المضطرم بالأفكار ، نشر نظراته الحائرة في فضاء الغرفة ، أمال رأسه ناحية النافذة ، راح يتأمل مشهد مراقصة الهواء لطرف الستارة في شرود ذهني تعرفه من بقاء عينيه مفتوحتين جامدتين . منذ ليلتين وهو يحاول عبثا إعادة انتظام أفكاره المشتتة ، كأنه يجمع الزئبق من أرض زلقة . [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL">ارتمى على السرير كثمرة ساقطة من غصن واهن ، أشبك أصابع يديه ثم أخفاهما تحت رأسه المضطرم بالأفكار ، نشر نظراته الحائرة في فضاء الغرفة ، أمال رأسه ناحية النافذة ، راح يتأمل مشهد مراقصة الهواء لطرف الستارة في شرود ذهني تعرفه من بقاء عينيه مفتوحتين جامدتين .</p>
<p dir="RTL">منذ ليلتين وهو يحاول عبثا إعادة انتظام أفكاره المشتتة ، كأنه يجمع الزئبق من أرض زلقة . هواجس القلق تكدر عليه يوم زفافه الذي يحلم به مشرقا هانئا ، فـتغشى وجهه غمامة حزن ويلتبس به الخوف من الآتي .</p>
<p dir="RTL">ضج به التفكير .. إلى أن قرر أمرا فقام لتنفيذه .</p>
<p dir="RTL">كان الأب يسقي نباتات الزينة في حديقة المنزل ، وقف بجانبه ، فلما هم بالحديث أوجس منه رهبة واعترته حالة من التردد ، ربط على قلبه وقال :</p>
<p dir="RTL">- أبي أرغب في تقديم زفافي إلى هذا الأسبوع ، أي قبل الموعد المتفق عليه بشهر.</p>
<p dir="RTL">أنتفض الإبريق في يده ، التفت إليه بوجه محتقن ثم قال بصوت جاف :</p>
<p dir="RTL">- أتريد أن تتعجل في وفاة أمك ؟! .</p>
<p dir="RTL">بُهت من رد أبيه :</p>
<p dir="RTL">- كيف ذلك ؟ .. لم أفهم .</p>
<p dir="RTL">تنفس الأب بعمق :</p>
<p dir="RTL">- سأصارحك .. لقد أسر إليّ الشيخ بتفسيره للحلم الذي رأيته .</p>
<p dir="LTR">
<p dir="RTL">صمت ممتعضا من تسرب خصوصياته ، مستذكرا في مخيلته ما حدث له &#8230;</p>
<p dir="RTL">في ليلة دافئة المشاعر ظل لساعات يسكب في إذن خطيبته كلمات الغرام محلقا بها في عالم وردي على جناحي الحب والسعادة ، ما إن ترطّب قلبه وارتوت نفسه حتى أغلق الهاتف ثم أوى إلى مضجعه ، كطفل شبع من الرضاع فتملكه النوم في خدر .</p>
<p dir="RTL">وجد نفسه في مكان تسطع منه أضواء ملونة وضربات الدف تهز جوانبه ، كان يجلس على أريكة وثيرة مرتديا حلة مهيبة ، وبجانبه خطيبته في أبهى زينتها . رأى أم زوجته تبتسم له وخالته تصفق في طرب وأخته تبادله مشاعر الفرح ، ولفيف من الأقارب وأهل البلدة يتمايلون على أنغام رنانة .</p>
<p dir="RTL">وإنه لكذلك إذ تنقبض عضلات وجهه ويتعرق جبينه ، فقام من نومه مضطربا .</p>
<p dir="RTL">ظل متأرقا بقية ليلته ، يسأل نفسه لماذا لم تظهر أمي الحبيبة في حفل زفافي؟! .</p>
<p dir="RTL">في ذلك اليوم سأل الشيخ تأويل رؤياه .</p>
<p dir="LTR">
<p dir="RTL">عاد إلى واقعه على كلمات أبيه :</p>
<p dir="RTL">- يا بني عليك أن تتبع توجيهات الشيخ ، فقد ارتأى أن لا تَـزِفَ عروسك حتى ترى نفس الحلم مع ظهور أمكَ فيه .</p>
<p dir="RTL">ظل واجما في دهشة ، ثم سأل :</p>
<p dir="RTL">- وهل يمكن أن يتكرر ذات الحلم ؟</p>
<p dir="RTL">أجاب الأب وهو يصب الماء في موضع آخر :</p>
<p dir="RTL">- يقال أن الإنسان هو من يحدد شكل أحلامه .</p>
<p dir="RTL">اهتاجت الأفكار في رأسه مجددا ، و ما انفك الهم يعتصره في الأيام التي تلت.</p>
<p dir="LTR">
<p dir="RTL" align="center">* * * * * * * *</p>
<p dir="LTR">
<p dir="RTL">ها هو الآن في عالما ناصع البياض ، يعدو هربا من كتل الثلج المتردية من أعلى جبال الجليد ، وفي نفس الوقت يحذر أن تزل قدمه فصفائح الثلج تتفطر من تحته ، ورياح الزمهرير تعصف بعنف فتكاد تكبه على وجهه . قلبه يخفق هلعا والموت يأتيه من كل مكان .</p>
<p dir="RTL">في لحظة مباغتة تأرجحت في الهواء صخرة ثلجية كبيرة ، انتبه إليها متأخرا فلم يقدر على الإفلات منها فهوت على رأسه فخر مضرجا بالدماء ، عندئذٍ انشقت الأرض من تحته فراح يغوص في بحيرة ماء ، ظل في قعرها ينازع أنفاس الموت الأخيرة .</p>
<p dir="RTL">استيقظ من نومه فزعا ، جلس على السرير يستعيد أنفاسه المتقطعة .</p>
<p dir="RTL">حينها شعر ببرودة شديدة في الغرفة ، أضاء المصباح ثم جر خطواته كمن يسير في الوحل ، ألقى نظرة على ضابط درجة الحرارة في جهاز التبريد ، فوجد وضع التبريد في درجة عالي جدا والهواء ينفذ منه بشده .</p>
<p dir="RTL">فجأة تنبه لأمر مهم ، مما استثار خلايا التفكير عنده في محاولة لفهم الرابط بين عالم الثلج في حلمه وجهاز التبريد في واقعه ، كذلك معرفة وجه الشبه بين الموت غرقا في بحيرة متجمدة في حلمه وبين تفسير الشيخ لحلمه في موت أمه قبل ليلة زفافه واقعا .</p>
<p dir="RTL">سمع دوي سقوط فكرة في ماء عقله ، محدثتا موجات من الأسئلة ، هل الأحلام تكشف لنا الغيب ؟ وهل معناها يُغيّر من مجرى القدر في حياتنا ؟</p>
<p dir="RTL">بعد إعمال عقله وتقليب فكره طرقت في رأسه حقيقة ما ، احتلت مكانا عميقا في نفسه اقتناعا وإعجابا ، على أثرها أطلق ضحكة مجلجلة مثقلة بالسخرية ، سارع في خنقها حين تذكر أنه في الهزيع الأخير من الليل .</p>
<p dir="LTR">
<p dir="RTL" align="center">* * * * * * * *</p>
<p dir="RTL">صباحا في مائدة الإفطار قال لأبيه بنبرة متخمة بالثقة :</p>
<p dir="RTL">- لقد تَحَقق طلب الشيخ ، فقد رأيت البارحة الحلم ذاته .</p>
<p dir="RTL">تهلل وجه الأب فرحا :</p>
<p dir="RTL">- هل متأكد أنك شاهدتَ أمكَ في الحلم ؟</p>
<p dir="RTL">أجاب وابتسامه غامضة تحتويه :</p>
<p dir="RTL">- الحق أني لم أرها ، لكن حينها سألت أختي ، فأجابت أنها ذهبت إلى المطبخ لتحضر كعكة الحفل ! .</p>
<p dir="RTL">
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3687/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>زمنٌ عربي</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3683</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3683#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 04 May 2012 05:39:22 +0000</pubDate>
		<dc:creator>إبراهيم سعيد</dc:creator>
				<category><![CDATA[الخامس والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3683</guid>
		<description><![CDATA[ مصر مصر إيقاعٌ حيوي، في أم الدنيا؛ومن يرتبط بمصر عليه أن يمضي وفق إيقاعها، نفسُ إيقاع النيل؛ واليوم في الإيقاع المصري الجديد نسبي، تأخذ الأشياء فيه روحاً متحررة من قيود الماضي، ومن كل أوهام المستقبل الجاهزة، لترسم آفاقها الذاتية. ومن يحلمُ بعودة العصر السالف، فهو كمن يصرخ مطالباً بعودة الأمس الماضي،والأمس لا يعود. مصر ماضيةٌ في طريق الثورةالعميقة التي هي المعنى الأشمل للثورة، ثورة الوعي، [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL"> مصر</p>
<p dir="RTL">مصر إيقاعٌ حيوي، في أم الدنيا؛ومن يرتبط بمصر عليه أن يمضي وفق إيقاعها، نفسُ إيقاع النيل؛ واليوم في الإيقاع المصري الجديد نسبي، تأخذ الأشياء فيه روحاً متحررة من قيود الماضي، ومن كل أوهام المستقبل الجاهزة، لترسم آفاقها الذاتية. ومن يحلمُ بعودة العصر السالف، فهو كمن يصرخ مطالباً بعودة الأمس الماضي،والأمس لا يعود.</p>
<p dir="RTL">مصر ماضيةٌ في طريق الثورةالعميقة التي هي المعنى الأشمل للثورة، ثورة الوعي، التي تجتاز كل الثورات المضادة، تلك الثورة هي الثورة الحقيقية، وهي الثورة الباقية، وبينما يبدو المشهد التونسي مستقراً نسبياً في الظاهر بمعادلة الوفاق بين الأحزاب المختلفة، تبدو مصر كالعابرة في مخاضٍ طويل، لا تقتنعُ بوليدٍ أقل من حجمها الكبير، والملهم للعالم، والذي يؤكد على أن الزمن ديدنهُ التغيير، وأن لا بقاء مع الزمن لنمطٍ واحد، وشكلٍ واحد.</p>
<p dir="RTL">الحكمة المصرية للعالم أجمع، ماثلة، وحية، لكن للأسف فإن الأنظمة التي تستطيع استيعابها قلة ضئيلة؛ مثلما أن القذافي الذي استوعب الدرس الأمريكي في العراق لم يستطع استيعاب الدرس التونسي في ليبيا؛ وهكذا لا يتم استيعاب كامل الحكمة إلا متأخراً بعد وقوع الوقائع،  واكتمال فصول المسرحية.</p>
<p dir="RTL">مثلاً ألسنا نفهم اليوم أن عصر مكافحة الإرهاب، لم يكن إلا إرهاصاً وتعبيراً عن مدى الانحطاط العربي والشتات الحقيقي المستبد بعالمنا، وعن مدى التناقض الهائل في النفسية العربية المدفوعة بحلمها البسيط لحياة سعيدة، بينما أحلام الشعوب البسيطة في حياة كريمة مسجونة خلفَ قضبان أنظمة سياسية قطرية ضيقة، وعربيةهزيلة وضعيفة، وعالم متوحش.عالمٌ تبدو فيه الأوهامُ الإرهابية للشباب كأنها خيول صالحة للركوب، من شدة انسداد الآفاق الطبيعية.</p>
<p dir="RTL">الربيع العربي الحقيقي ليس كامناً في تغيير نظامٍ سياسي بآخر، لأن المشكلة أكبر من مجرد شكل سياسي؛ والربيع الحقيقي في أزهار الأذهان والوعي العام الذي يشق طريقه، متخلصاً من أكداسِ البرامج التلفزيونية الرديئة، وأفلام المقاولات، والمناهج التعليمية البائسة، ليصل إلى معرفة ذاته وما حوله، كما يليقُ بوعيٍ عام حقيقي، يعيد تشغيل آلياته المعرفية المعطلة بفعل القمع والاستبداد، وبالتالي يحصدُ حيوية الحياة ذاتها. يشتعل ذكاء الوعي العام نفسه، وينهض لتحمل مسئوليته الذاتية، وقراره، دون وصاية نظامٍ تعسفي بلغت حماقاته أطوارها.</p>
<p dir="RTL">ربيع الوعي العربي يتكاملُ اليوم شيئاً فشيئاً، منطلقاً من قاعدته الحيوية الشعبية التونسية نفسها، التي قالها أبو القاسم الشابي في بداية القرن العشرين، وينمو، انطلاقاً من تلك القاعدة الشعرية ليغدو أكبر وأقوى وأشد، محاذراً الفخاخ الأمريكية المنصوبة، والشراك الإسرائيلية، وسهام الداخل، والسيوف المتقاطعة؛فيبدلبنموه وتحوله إرث الماضي الذي كان مسجوناً في أقداره الهزيلة ومصيره المظلم المحكوم بأسوأ ما في العصر من رداءة وبؤس. إرثٌ أفضى بالناس لعقود إلى التفتيش عن أية حلول ممكنة، وإلى الإيمان أحياناً حتى باليأس المطلق.</p>
<p dir="RTL">الحياة تثمرُ وعيها الجديد، والوعي ينمو بالخبرات والتجارب، بالشد والجذب المنطقيين، بالتفاعل مع كل العناصر الواقعية، وعندها لا خوف على البلد من أيديولوجيا أي فريقٍ يستلم زمام السلطة، لأن الشعب ليس قطيعا،ولأن انتصار الوعي يجعلهُ ساخراً من فكرة الخوف من الفزاعات، ولا يضيره حينها حتى لو كان الظواهري هو فخامة الرئيس. فالوعي الحيوي لا يضع ثقتهُ بالأشخاص بقدر ما يضعها في الأنظمة.</p>
<p dir="RTL"> السعودية</p>
<p dir="RTL">طغت هذا الأسبوع أخبار المحامي المعتقل في مطار جدة أحمد الجيزاوي،والاحتجاجات الشعبية المصرية على النظام السعودي، وكان التنصل الرسمي السعودي من السبب المعلن الذي لأجله تم اعتقال الجيزاوي في الأراضي السعودية، وتلفيق تهمة المخدرات وحده كافياً لإدراك مدى التغيير الذي يشمل عالمنا، في نفس الوقت فإن تغيير التهمة لوحده سببٌ كافٍ لإدراك هشاشة التهمة وعدم قدرتها على الظهور أمام الرأي العام. المصري والسعودي والعربي معاً.</p>
<p dir="RTL">في الأثناء كان شباب الثورة سعوديين ومصريين يتبادلون الثناء في تغريداتتويتر ولوائح حيطان الفيس بوك، مؤكدين تجاوزهم المؤكد كجيل للوعي الضيق؛وآخذين زمام المبادرة الطيبة، تأكيداً لإحساسهم بالزمن والمسئولية أكثر من المسئولين أنفسهم.</p>
<p dir="RTL">بالنسبة للشباب ليست المسألة مسئولية فردية، بل مسئولية أمة بكاملها، تعيش أوقاتاً متناقضة، وأزمنة متضاربة، وعداءاً شديداً يفضح عدم اتساقها مع الهوية العربية التي تستمي بها؛ العروبة المهدرة لمائة عام وأكثرعلى موائد جامعة الدول العربية، فضلاً عن طاولات اجتماعاتها. في وسط محيط عربي وعالمي مختل.</p>
<p dir="RTL">ما الذي يضير مقام الملك، أي ملك، من كلمة قيلت في حقه، إيجاباً وسلباً، أليست صورة الملك الحقيقية ليست صورة اللفظية أو كلمة، بل صورة حقيقية قائمة على أفعاله، واكتسابه لحب الشعب؟ أليس الملك خادماً للشعب، وبذلك احتل أسمى مقام؟!</p>
<p dir="RTL">الحساسية المفرطة من الكلمات التي تقال في وسائل الإعلام تعبر عن فراغنا أيضاً، واهتمام الأجهزة المخابراتية بمثل هذه الأخبار يعبر عن خوائها، وفراغها للأسف، وعن تصيدها لهفوات الألسنة، في نسيان لمهمتها الحقيقية الكبرى، في الدفاع عن أمن الوطن، واستبدالها بالدفاع عن سمعة الملك!</p>
<p dir="RTL">إذا كان مقام الملك الرفيع يتأثر بالكلمات النابية، ويستدعي الأمر سحب سفير السعودية من مصر، في هذا الوقت، فإن تقدير هيبة الملك هش جداً، وسمعته قابلة لأدنى عطب؛ ماذا إذن عن كل الكاريكاتيرات التي تناولت الملك في وسائل الإعلام الغربية؟ ماذا أيضاً عن رسومات الرسول؟!</p>
<p dir="RTL">لماذا لا تهتز سمعة ملكة بريطانيا برواية آيات شيطانية لسلمان رشدي، ولم تسحب عنه الجنسية، كما حدث مؤخراً في الإمارات، ولماذا تنتفض الأجهزة المنافقة في عالمنا العربي وأنظمتنا لتبطش بزلة اللسان على الذات الملكية، أو بوجهة النظر المختلفة، أو بالرأي، أو بسخافات موقع عرب تايمز البذيئة؟؟!!</p>
<p dir="RTL">سمعة الحاكم لا تحتاج قمعاً، تحتاجُ حكمة وعدلاً وحرية، لتلمعُ سمعة الملك كقطعة الذهب، حتى لو كانت في قاع النهر. بينما سمعتهُ نجمةٌ في السماء.</p>
<p dir="RTL">وفي الشعر: تواضع تكن كالنجمِ لاحَ لناظرٍ على صفحات الماءِ وهو رفيعُ.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3683/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ما الذي يحدث يا مصر ؟</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3678</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3678#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 01 May 2012 04:42:58 +0000</pubDate>
		<dc:creator>صالح بن عبدالله السليمان</dc:creator>
				<category><![CDATA[الخامس والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3678</guid>
		<description><![CDATA[قضية المحامي أحمد الجيزاوي لا أظنها إلا مرحلة من مراحل الصراع السياسي في مصر , ولها خلفياتها التي يجب أن توضح ,استوقفني في هذه القضية بضع نقاط , سأسردها على عجالة :- النقطة الأولى :- أحمد الجيزاوي تقدم بطلب تأشيرة &#8220;عمرة &#8221; للسفارة , ولو كان محكوما ( فرضا ) لما منح التأشيرة , فهو ليس أول شخص في العالم يشتم المملكة أو نظام الحكم [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>قضية المحامي أحمد الجيزاوي لا أظنها إلا مرحلة من مراحل الصراع السياسي في مصر , ولها خلفياتها التي يجب أن توضح ,استوقفني في هذه القضية بضع نقاط , سأسردها على عجالة :-</p>
<p dir="RTL">النقطة الأولى :- أحمد الجيزاوي تقدم بطلب تأشيرة &#8220;عمرة &#8221; للسفارة , ولو كان محكوما ( فرضا ) لما منح التأشيرة , فهو ليس أول شخص في العالم يشتم المملكة أو نظام الحكم في المملكة , وليس له من الأهمية التي تجعل المملكة تحتال لإحضاره .</p>
<p dir="RTL">النقطة الثانية :- هو من تقدم بطلب التأشيرة , وهو من ركب الطائرة , فالاحتيال عليه غير وارد , فهو وكما يقال ناشط سياسي ومحامي مسجل في النقابة , فليس من الغباء أن يحتال عليه أحدهم ويجعله يتقدم بطلب تأشيرة دخول .</p>
<p dir="RTL">النقطة الثالثة :- انتشار &#8221; إشاعة &#8221; الحكم عليه غيابيا في المملكة , ولا أعلم كيف يحكم على شخص غير سعودي , وليس مقيم في المملكة ؟ فهذا مخالف لأبسط القواعد القانونية المتبعة في المملكة وشواهد ذلك كثيرة , وكيف تناول الإعلام هذه الإشاعة ونشرها بحيث أصبحت في حكم الخبر المؤكد لدى الكثير . ولو كل من سب الحكومة السعودية حكم عليه , لأصبح لدينا ألوف من المحكومين.</p>
<p dir="RTL">النقطة الرابعة :- من المعلوم أن المدعى عليه يبلغ في مكان سكنه عن القضية المرفوعة ضده , أو تبلغ سفارته أو ينشر في الصحف إذا كان مجهول السكن , ولكن كل هذا لم يظهر , مما يضعف مرة أخرى إشاعة الحكم الغيابي .</p>
<p dir="RTL">النقطة الخامسة :- لو كانت حكومة المملكة ترغب في التخلص من هذا الشخص أو غيره , فلماذا لم تتخذ أساليب أخرى , أقل ضوضاء وهي كثيرة , ولماذا تختار حكومة محافظة مثل حكومة المملكة هذا الأسلوب الذي إن صح يدل على جهل كبير .</p>
<p dir="RTL">النقطة السادسة :- أحمد الجيزاوي وصل إلى مطار جدة وهو غير محرم &#8221; أي لا يرتدي ملابس الإحرام&#8221; , ومعلوم أن من نوى العمرة من إخواننا المصريين يجب عليهم الإحرام من الطائرة قبل الوصول إلى جدة , و ينزل مطار جدة وهو محرم لأنه تعدى الميقات . وهذا يعلن عنه وينبه عليه في الطائرات أثناء الرحلة وقبل تجاوز الميقات , فلذا ما يقال أنه قادم لأداء العمرة غير صحيح , وحتى إن كانت تأشيرة دخوله للعمرة .</p>
<p dir="RTL">النقطة السابعة :- مهما صرح السفير المصري في الرياض , القنصل المصري في جدة , والقانونيون المصريون في السعودية , من أنهم التقوا أحمد الجيزاوي وأعترف لهم بجلب حبوب مخدرة ( جاهلا العلم بأنها ممنوعة ) فالإعلام ما زال يكرر الشائعة القديمة بأنه سب الملك، ولذا حوكم .</p>
<p dir="RTL">النقطة الثامنة :- هل هنالك سابقة عبر التاريخ أن هناك من سب الملك من خارج المملكة وتم عليه الحكم ؟ لا أظن أن هنالك أي واقعة حدثت سابقا .</p>
<p dir="RTL">دعوني أذكر القصة كما أراها , شخص مصري معادي لنظام الحكم في المملكة , يتقدم بتأشيرة للعمرة , ويركب الطائرة دون أن يحرم , ولم يحرم في الطائرة , إذن هو لم يقدم إلى المملكة بغرض العمرة . فما الذي قدم لأجله؟</p>
<ul>
<li dir="RTL">هل اعترافه بجلب كمية كبيرة من الحبوب المخدرة تعني أنه قدم للكسب وليس للعمرة ؟</li>
<li dir="RTL">هل قدم للمملكة كوسيلة لضرب العلاقات المتوترة بين السعودية ومصر في وقت حساس وهو الانتخابات الرئاسية ؟</li>
<li dir="RTL">لماذا روج الإعلام لشائعة حكم الجلد والسجن الغيابي . ومن أطلق هذه الشائعة ؟</li>
<li dir="RTL">لماذا يخرج بعض الشخصيات العامة يهدد ويتوعد المملكة , وهو يعلم أن تهديده ووعيده لا يمكن أن يقع ؟</li>
</ul>
<p dir="RTL">أسئلة كثيرة , ولكن ما حدث في هذه الأزمة ,يثبت أن الشارع العربي والإعلام العربي للأسف يتأثر كثيرا بالشائعات . وأن صوت العقل لا يسمع في الإعلام أو الشارع العربي كثيرا ,</p>
<p dir="RTL">وأذكّر بالأزمة التي حدثت بين الجزائر ومصر , وبين قطر ومصر , وبين السعودية ومصر الآن , هل كلها تنبع من معين واحد ؟</p>
<p dir="RTL">اكتب هذا وأنا أشهد الله بأن كل قطر عربي لديّ بأهمية وطني , فكلنا في مركب واحد, ولن نصل إلا إذا حكمنا العقل .</p>
<p dir="RTL">وعلى طريق الحرية والكرامة نلتقي</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3678/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ناصر بن جاعد (10) البيان الأخير</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3676</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3676#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 01 May 2012 04:27:50 +0000</pubDate>
		<dc:creator>د. زكريا بن خليفة المحرمي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الخامس والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة وفكر]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3676</guid>
		<description><![CDATA[ (ولما لم أجد أحداً له قوة فهم على فهم معانيه صار كالذي لا فائدة فيه، فأحببت إيضاحه، إيضاحاً قليلاً كالإقليد، يفهم من كان له عقل ما وراء ذلك من المعاني، فافهم) ناصر بن جاعد أثناء جمعي المادة العلمية لكتاب &#8220;قراءة في جدلية الرواية والدراية&#8221;، أدهشني رأي حول حادثة المعراج أشار إليه من طرف خفي المفكر التونسي هشام جعيط في كتابه &#8220;الوحي والقرآن والنبوة&#8221;، يقول فيه: [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL"> <em>(ولما لم أجد أحداً له قوة فهم على فهم معانيه صار كالذي لا فائدة فيه، فأحببت إيضاحه، إيضاحاً قليلاً كالإقليد، يفهم من كان له عقل ما وراء ذلك من المعاني، فافهم) ناصر بن جاعد</em></p>
<p dir="RTL">
<p dir="RTL">أثناء جمعي المادة العلمية لكتاب &#8220;قراءة في جدلية الرواية والدراية&#8221;، أدهشني رأي حول حادثة المعراج أشار إليه من طرف خفي المفكر التونسي هشام جعيط في كتابه &#8220;الوحي والقرآن والنبوة&#8221;، يقول فيه: (وقد فهم علماء المسلمين إلى حدّ ما هذا الأمر في قصتهم للمعراج التي هي اختلاق ذو قيمة دينية رفيعة). عبارات جعيط في طول كتابه وعرضه توحي بأنه لا يقر بانقطاع النبي بعيدا عن الناس قبل الوحي، ولا بحادثة غار حراء، وهو يرى أن آيات النجم التي يستدل بها المفسرون التقليديون في إثبات المعراج لا تدل إلا على اللقاء الأول بين النبي وبين الوحي الجلي.</p>
<p dir="RTL">هذه الفكرة أربكت المسلمات التي حفظتها، ولم أتدبر حقيقتها، وتذكرت ساعتئذ قول معروف الرصافي: (لقنت في عصر الشباب حقائقا في الدين تقصر دونها الأفهام، ثم انقضى عصر الشباب وطيشه، فإذا الحقائق كلها أوهـــــام).</p>
<p dir="RTL">لقد فتحت تلك الفكرة لي نوافذ متعددة للنظر  والتفكير  في كثير من القضايا، ابتداء بمسألة انقطاع النبي عن الناس في المغارات كما يفعل رهبان النصارى في الأديرة، مرورا بقصة اللقاء الأول بين النبي والوحي، وحقيقة الوحي وطبيعته، وكيفية تنزل القرآن في قلب النبي، ومعنى نزول القرآن مفرقا، وماهية ليلة القدر، والموقف من روايات أسباب النزول، وقصة الإسراء، ومفهوم المعراج، وانتهاء بمبدأ تدبر القرآن بعيدا عن وصاية التفاسير  والمرويات.</p>
<p dir="RTL">وبينما كنت تائها في صحراء الحيرة، إذا بواحات ناصر بن جاعد المتوارية بين جنبات موسوعة &#8220;قاموس الشريعة&#8221; المنسية عمانيا والمجهولة عربيا وإسلاميا تظلل الروح في بساتين البيان، وتروي الوجدان من ينابيع العرفان، وتحلق بالعقل في فضاءات البرهان، ففي القاموس يوجد نص لناصر بن جاعد لا يؤيد ما قاله هشام جعيط وحسب بل ويثبته ويؤصله ويقدم البراهين على صحته، إنه نص واضح لا يحتمل اللبس يحرر ناصر بن جاعد به العقل المسلم من معتقلات الخرافة والعبث بقوانين الكون التي أمره الله تعالى بدراستها ليكون حقيقا بالخلافة على الأرض، يقول ناصر بن جاعد: (أما معراجه بجسده وروحه إلى السماء، أو إلى ما هو أعلى، فلم يأت صريح التنزيل بذلك، ولا قامت الحجة بصحيح السنة، ولا يصح فيه الإجماع الذي لا يجوز خلافه، وأن جميع ما ذكروه فيه، من رؤيته في السماوات الأنبياء، وذكر تخفيف الصلوات، وتردده على الله تعالى غير صحيح).</p>
<p dir="RTL">في الحقيقة ما وجدته عن ناصر بن جاعد في إنكار المعراج لم يكن مجرد نص واحد، بل كانت مجموعة نصوص متكاثرة يشد بعضها أزر بعض!، وحين صدرت فتاوى تُحرّم بيع وتداول كتاب &#8220;الجدلية&#8221; لم استغرب ولم أدن ولم استنكر كعادة العرب ما قبل الربيع، فكتابي ليس بأعز من كتب ومؤلفات ناصر بن جاعد التي اختفى جلها عدا الثلث أو أقل قليلا.</p>
<p dir="RTL">ويبدو أن &#8220;لعنة العبقرية&#8221; ما تزال تطارد أي كتاب يضم آراء ناصر بن جاعد أو يشير إليها، يكفي أن موسوعة &#8220;قاموس الشريعة&#8221; التي تصل إلى ثلاثة وتسعين جزءا والتي احتفظت بأغلب تراث ناصر بن جاعد الفقهي ما يزال 70% منها مخطوطا ينتظر المخلص المنتظر، فهل تكون آراء ناصر بن جاعد التي لا تتسع لها المساحات الضيقة في قلوب البعض هي السبب وراء انقباض السماء والأرض عن الفيضان بآراء ناصر بن أبي نبهان.</p>
<p dir="RTL">لقد أشكلت كتابات ناصر بن جاعد على الكثير من القراء، وذلك لم كان صادما، فكتاباته لا تنتمي إلى فضاءات القاريء المعاصر، فأغلب القراء المعاصرين هم إما سلفيوا التوجه، لا تثيرهم سوى الروايات المعنعنة والأقوال المسندة، أو هم في الطرف النقيض حيث الخشوع أمام صرامة ديكارت وكانط أو الخضوع أمام صراعات ماركس أو التيه بين عبثيات نيتشة وبكائيات سارتر.</p>
<p dir="RTL">أما تراث ناصر بن جاعد الفكري وكتابته المعرفية فهي تنتمي إلى إطار تم الانقلاب عليه على حين غفلة من العقل العربي الذي أُجبر على الاستسلام أمام بريق الحضارة الغربية المستعمرة، كما أُجبر على السير في ركاب الصخب الذي أحدثته الدعوة السلفية بدعوى العودة إلى الذات، ولكنها ليست الذات الحضارية التي نفاخر بها وإنماالذات في صورتها القميئة والمتوحشة والبعيدة عن ركب الحضارة والإنسانية.</p>
<p dir="RTL">إن كتابات ناصر بن جاعد تنتمي إلى الفكر الفلسفي العربي لا ذلك المؤسس لثورة العلوم في أوربا أيام عصر النهضة وما قبلها فحسب، بل وهو أيضا ينتمي إلى فضاء فكري لم تشرق شمسه بعد، ولم ينضج العقل العربي إلى تقديره واستيعاب رسالته.</p>
<p dir="RTL">كثيرة هي الكتب التي قصفتها رياح الزمن وبللتها أمطار الإحن، فصارعت الشمس والغبار والهجر والإنكار قروونا عديدة حتى ولدت العقول القادرة على اكتشاف روائعها واستخراج كنوزها، إنها مأساة تمر بها الأسفار التي تغير مجرى التاريخ، وفي تاريخ أمتنا نماذج كثيرة على ذلك مثل كتاب &#8220;تهافت التهافت&#8221; لابن رشد وكتاب &#8220;الموافقات&#8221; للشاطبي.</p>
<p dir="RTL">فليس عجيبا أن يكون كلام ناصر بن جاعد غريبا بين القراء المعاصرين لا على مستوى الأفكار فحسب، بل وحتى على مستوى التراكيب والألفاظ، والسؤال الصعب يتمثل في إمكانية تقديم هذا الفكر إلى القاريء المعاصر دون أن يشعر معه بما شعر به الأعرابي الذي مرّ على جماعة من النحاة يتذاكرون مسائل نحوية فلم يدرك من كلامهم شيئا فصاح متبرما: &#8220;تتكلمون في كلامنا بكلام ليس من كلامنا&#8221;، وهذا ما رمنا إنجازه في المقالات السابقة.</p>
<p dir="RTL">يظن البعض أن الكتابة ترف يمارسه صاحبها طلبا للمتعة واستغراقا في اللهو، بينما الكتابة انعزال، الكتابة انقطاع صوفي ورهابنية، الكتابة أوجاع مخاض ورهبة ميلاد، الكتابة تثوير لآلام العزلة والابتعاد، بل إن الكلمات للتفصد من روح كاتبها كما يتفصد الدم من جسد الشهيد.</p>
<p dir="RTL">حسنا، لم أكن أنوي الارتجال عن فرس الكتابة، ولا إعادة سيف القلم إلى أغماده، ولكنها صروف الدهر التي تهوي بالأماني وتطحن الأحلام، فأنا لم أعتد الاستسلام، بينما أجدني اليوم مرغما على تسليم عدتي وعتادي ورفع الراية البيضاء خالية من حبر الكلمات، إنها المشاغل التي لا ترحم، والأحكام المجانية التي لا تسأم تدفعني إلى الصيام والكف عن الكلام.</p>
<p dir="RTL">أفكار كثيرة كانت تراودني عن نفسها فاستعصمت، ولذت بالصمت، فقد كنت أود الحديث عن موقف ناصر بن جاعد من قضية &#8220;الجزء الذي لا يتجزأ&#8221; التي تطورت إلى النظرية النسبية ونظرية الكواركات الفيزيائية، وتفسيره للوح المحفوظ والقلم، وموقفه من العقل قياسا بالنظريات الحديثة الفلسفية والبيولوجية، وموقفه القائل باستحالة رؤية الجان وتلبسهم للإنسان.</p>
<p dir="RTL">كما كنت أود مقاربة الممارسة الفيلولوجية لناصر بن جاعد في دراسته لبعض المفاهيم اللغوية وتطورها كمفهوم اللاهوت والناسوت، وموقفه من الكوجيتو الديكارتي والشك الفلسفي، وقوله في أن الأسماء التي تعلمها آدم هي اللغات وربط ذلك بالنظريات الأنثربولوجية الحديثة التي تعتبر اللغة ممثلا للعقل، وتفسيره لبعض الآيات والسور تفسيرا مغايرا عن التفاسير الكلاسيكية، وشرحه لتقنية تحلية مياه البحر حسبما توصلت إليها التجارب البشرية في ذلك الزمان، واستخدامه للتكنلوجيا المتوفرة في زمانه كالبنادق والمدافع لشرح نص متقدم عليه بأكثر من ستة قرون، وأشياء أخرى كثيرة.</p>
<p dir="RTL">البيان الأخير، ذكرت في مقدمة هذه الدراسة أن كتاب &#8220;إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك&#8221; ربما يكون من آخر مؤلفات ناصر بن جاعد، بيد أني تنبهت مؤخرا إلى أن هذا الكتاب قد تم تأليفه قبل عقدين من وفاة ناصر بن جاعد، ومعنى ذلك أن جميع الأفكار المميزة التي عرضنا لها في هذه الدراسة وتلك التي لم يسعفنا الوقت لعرضها ليست سوى قمة جبل الجليد السابح في بحر المعرفة، ذلك الجبل هو ناصر بن جاعد.</p>
<p dir="RTL">
<p dir="RTL"><span style="color: #ff0000;"><strong>ملاحظة: ينشر بالتزامن مع ملحق شرفات الثقافي بجريدة عمان.</strong></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3676/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>3</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ناصر بن جاعد (9) &#8230; النشوء والترقّي</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3673</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3673#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 24 Apr 2012 01:45:07 +0000</pubDate>
		<dc:creator>د. زكريا بن خليفة المحرمي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة وفكر]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3673</guid>
		<description><![CDATA[(ثم تولدت المعادن ثم النبات ثم الحيوان ثم الإنسان من الماء والتراب) ناصر بن جاعد تعود فكرة نشوء الكائنات من مخلوقات أولية إلى الفيلسوفين اليونانيين انكسيماندريس وإبميدوكلس، بيد أن هذه الفكرة ظلت حبيسة الرقوق والكتب حتى استعادها ماوبرتيوس في عام 1751م مفترضاً أن التغيرات الطبيعية أثناء التكاثر تؤدي إلى ظهور مخلوقات جديدة. لقد أعطت أطروحة ماوبرتيوس دفقا جديدا لفكرة التطور، حيث انطلق منها إرسموس داروين [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL"><em>(ثم تولدت المعادن ثم النبات ثم الحيوان ثم الإنسان من الماء والتراب) ناصر بن جاعد</em></p>
<p dir="RTL">تعود فكرة نشوء الكائنات من مخلوقات أولية إلى الفيلسوفين اليونانيين انكسيماندريس وإبميدوكلس، بيد أن هذه الفكرة ظلت حبيسة الرقوق والكتب حتى استعادها ماوبرتيوس في عام 1751م مفترضاً أن التغيرات الطبيعية أثناء التكاثر تؤدي إلى ظهور مخلوقات جديدة. لقد أعطت أطروحة ماوبرتيوس دفقا جديدا لفكرة التطور، حيث انطلق منها إرسموس داروين جد تشارلز داروين إلى القول بأن الحيوانات ذات الدم الحار تنتسب إلى خلية أولية واحدة.</p>
<p dir="RTL">إلى هنا وما تزال نظرية التطور البيولوجي في مراحلها الجنينية، وأول تطور حقيقي لها ابتدأ مع لامارك في عام 1809م، حيث افترض أن الكائنات تكتسب صفات جديدة أثناء تفاعلها مع البيئة وفق قاعدة &#8220;الإعمال والإهمال&#8221; للخلايا والأعضاء، وأن ذلك يؤدي إلى تطورها من كائنات بدائية إلى كائنات أكثر تعقيدا وفق نظرية التحول أو (transmutation).</p>
<p dir="RTL">بيد أن الثورة العلمية الكبرى في مجال التطور البيولوجي حدثت عام 1859م مع تشارلز داروين الذي أعاد ترتيب أوراقها من جديد، وأضاف إليها فكرة &#8220;الانتقاء الطبيعي&#8221;، القائمة على فرضية أن تكاثر المجموعات البيولوجية يؤدي إلى &#8220;الصراع من أجل البقاء&#8221;، وأن حمَلة الصفات المؤهلة تتطور وتبقى، أما غيرها فينقرض ويتلاشى.</p>
<p dir="RTL">وما أن طرح داروين نظريته المعروفة بـ &#8220;النشوء والترقي&#8221; أو (Evolution) حتى طبقها توماس هوكسلي على الإنسان، فتوصل إلى نتيجة لا تخلو من تطرف زاعماً أن الإنسان قد تطور عن قرد الشمبانزي.</p>
<p dir="RTL">ومع اكتشاف جريجور ماندل لطرائق انتقال الصفات الوراثية عام 1865م، واكتشاف دي فرانسيس لعلم الطفرات الوراثية، تطورت نظرية داروين لتكون لها أسسها الجينية، فأصبحت واحدة من أهم النظريات البيولوجية إن لم تكن أهمها على الإطلاق، حيث قال ثيودوسيوس دوبزانسكي في عام 1973م: &#8220;لا شيء في علم الأحياء له أي معنى إلا من خلال النشوء والترقي&#8221;.</p>
<p dir="RTL">في عام 1992م اكتشف العلماء رفات مخلوق هو الأقرب تشريحيا إلى الإنسان اسمه آردي أو (Arthipithecus ramidus)، وقد استغرقت دراسته سبعة عشر عاما، وتم الإعلان عنه عام 2009م، وهو بحسب العلماء أبعد ما يكون عن الشمبانزي، لكنه قريب جدا من الإنسان، مما يعزز نظرية داروين بعيداً عن الأطروحة الهكسلية المتطرفة.</p>
<p dir="RTL">هذا على المستوى العلمي، أما على المستوى الاجتماعي والثقافي فقد أحدثت نظرية &#8220;النشوء والترقي&#8221; ارتدادات فكرية وثقافية هائلة خاصة بين صفوف المحافظين من رجال الدين والفقهاء الذين عارضوها بشدة، واعتبروها سبيلا إلى هدم الدين والأخلاق، إلى درجة حدت بالمشرعين الأمريكيين إلى حظر تدريس هذه النظرية في مدارس الثانوية الأمريكية منذ عام 1925م وإلى عام 1968م.</p>
<p dir="RTL">أما في العالم الإسلامي فقد شن الفقهاء ومريدوهم حملة شعواء ضد هذه النظرية واعتبروها طريقا للفساد وبوابة للإلحاد، ولعل ذلك يعبر عن ردة فعل وقائية ضد دعاة الفكر المادي الذين اعتبروا النظرية المسمار الأخير في نعش الأطروحة الدينية، بل ذهب بعضهم إلى القول أن الإنسان ليس سوى حلقة في سلسلة نشأة الكون من مادته الأولى دون تدخل من الرب.</p>
<p dir="RTL">كلا الفريقين، المتدينون والماديون يعانون من إشكالية عدم التمييز بين النص القرآني، وبين شروحه التي لا تعبر سوى عن آراء قائليها، فمعارضة العلم لرأي الفقيه لا يعني بالضرورة معارضة العلم للقرآن، وإن حدث وأبطلت بعض القوانين العلمية أو النظريات البحثية أقوالاً لبعض الفقهاء فلا يخدش ذلك في الدين ولا في تنزيل رب العالمين.</p>
<p dir="RTL">وقد احتج الرافضون لنظرية النشوء والترقي بمعارضتها الكتب المقدسة التي تحكي عن خلق الإنسان من طين، وأضاف فقهاء المسلمين اعتراضين آخرين، الأول هو تعارض النظرية مع خلق الإنسان في أحسن تقويم، والثاني تعارضها مع مفهوم الروح التي نفخها الله في الإنسان.</p>
<p dir="RTL">بيد أن هذه الاعتراضات لا تخلو من نواقص وثغرات، فالقرآن نص على خلق الإنسان من طين ولكنه سكت عن طريقة ذلك الخلق، كما سكت عن المدة الزمنية التي تم فيها، وسكت أيضاً عن المراحل التي تخللها، وهذا السكوت القرآني حتما لم يكن عبثيا، وإنما هو سكوت مقصود يوجه الإنسان نحو البحث والاكتشاف الذي أمر به الله في قوله (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدء الخلق).</p>
<p dir="RTL">كما يذهب بعض المفكرين إلى أن القرآن يحوي نصوصا تشير إلى المرحلية والتطور في خلق الإنسان، منها قوله تعالى {وقد خلقكم أطوارا}، الذي تشمل  دلالته آدم وأبنائه الذين يتم تطورهم في الرحم من علقة فمضغة فعظام يكسوها اللحم، ومن بين تلك النصوص أيضاً قوله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} الذي يتجلى فيه التطور من خلال الممايزة بين مرحلة الخلق ومرحلة التسوية ونفخ الروح.</p>
<p dir="RTL">أما موضوع حسن تقويم الإنسان، فالإنسان حين يكون نطفة وعلقة يكون مهينا بنص القرآن {من ماء مهين} ولكن ذلك لا يزري بحسن تقويمه لاحقا، كذلك الأمر بالنسبة لتطور الإنسان من كائنات بدائية وتطوره من الطين من قبل لا يحط من قدره ولا يشين تكريمه بعد ذلك.</p>
<p dir="RTL">إضافة إلى أن نظرية النشوء والترقي في نسختها الأخيرة –ما بعد اكتشاف آردي- لا تقول أن الإنسان أصله قرد، وإنما تقول أن البشر والقرود يرجعون إلى أصل تكويني واحد &#8230; الطين والماء بلغة الفقهاء.</p>
<p dir="RTL">قد يتسائل القاريء عن سرّ هذا الاستعراض الطويل لنظرية النشوء والترقي وجدل علماء الدين والبيولوجيا حولها في معرض الحديث عن ناصر بن جاعد، وربما تبادر إلى ذهن البعض أن هذا الاستعراض مدخل لعرض رأي ناصر بن جاعد في نظرية تشارلز داروين.</p>
<p dir="RTL">وللإجابة على هذه التساؤلات علينا التأكيد بداية على حقيقة أن العمر لم يسعف ناصر بن جاعد كي يطلع على أطروحة داروين، فقد توفي بن جاعد قبل عقد من نشر داروين لنظريته، فلهذا من غير الجائز بأي حال من الأحوال القول أن ناصر بن جاعد يدعم أطروحة النشوء والترقي كما انتهت لدى تشارلز دارون، أو من جاء بعده.</p>
<p dir="RTL">بيد أن هذا البيان ليس هو كل شيء!! فهناك مفاجئات كثيرة ما تزال بالانتظار، وناصر بن جاعد خبير في إحداث المفاجئات.</p>
<p dir="RTL">إن نفينا لعدم قول ناصر بن جاعد بنظرية النشوء والترقي الدارونية لا يعني بحال أنه كان منكرا لفكرة التطور من الأساس، بل نستطيع القول بدرجة كبيرة من الثقة أنه كان مؤيدا لنظرية التطور كما طرحها فلاسفة اليونان، ولعل أول من اكتشف هذا التأييد الناصري لنظرية التطور اليونانية هو محقق الكتاب الدكتور وليد محمود خالص الذي قال مندهشاً: &#8220;يفيد الشيخ ناصر من إطلاعه الواسع على العلوم القديمة ومنها الفلاسفة، وما يقوله في المتن يقترب من مذهب الفيلسوف اليوناني انكسيماندريس المتوفي سنة 546 قبل الميلاد، على سبيل المثال، وقد تطور هذا المذهب فيما بعد على يد الفلاسفة اللاحقين&#8221;.</p>
<p dir="RTL">أما ما أثار دهشة المحقق ودهشتنا من بعد فهو تصريح ناصر بن جاعد بموقفه من نظرية التطور حين قال: (وفي العناصر الطبائع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، فظاهرها كرة النار وكرة الهواء وكرة الماء ثم البسائط في الأرض وهي الماء الظاهر والتراب الظاهر والرياح المحسوسة والنار الظاهر، ومن هذه الطبائع تتولد العناصر، ومن العناصر والبسائط تتكون المولدات: المعدن ثم النبات ثم الحيوان وبعد الحيوان الإنسان، وهو من جملة الحيوان إلا أنه لما كان أكمل منه كان هو المرتبة الرابعة الآخرة).</p>
<p dir="RTL">هنا قد يطرأ في ذهن القاريء سؤال عن سر الكمال الذي ينسبه ناصر بن جاعد إلى الإنسان في قبالة الحيوان، فلسفيا يعتبر العقل هو الميزة التي يمتاز بها الإنسان عن الحيوان، أما الطرح الديني فإنه يذهب إلى أن سر كمال الإنسان يكمن في الروح الإلهية التي نُفخت في الإنسان الأول (آدم)، هنا يفاجئنا ناصر بن جاعد برأي جديد آخر لا يقل إدهاشا عن سابقه، فهو يطرح نظرية جديدة غير مسبوقة في تفسير معنى الروح تنطلق من الرؤية الفقهية وتتوافق مع الرؤية الفلسفية، وهي قائمة على أن العقل والروح هما شيء واحد! يقول ناصر بن جاعد: &#8220;والعين البصيرية هي التي أشار إليها بقوله جلّ وعلا: {ويسئلونك عن الروح}أي العقل {قل الروح من أمر ربي} أي فكروا فيه فإنه أمر رباني لا يطلب إلا ما يرضي الله&#8221;.</p>
<p dir="RTL">
<p dir="RTL"><span style="color: #ff0000;"> <strong>ملاحظة: ينشر بالتزامن مع ملحق شرفات الثقافي بجريدة عمان.</strong></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3673/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>دراسة : القانون في ضوء فلسفة الصراع</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3665</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3665#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 21 Apr 2012 08:56:31 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد بن سعيد الفطيسي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3665</guid>
		<description><![CDATA[ &#8221; الصراع بين الفرد والمجتمع &#8220; &#8220;ان الصراع الذي يحدث في المجتمع بين فردانية الفرد واجتماعيته , ينعكس على طبيعة الحكم الذي يحكم المجتمع , فضلا عن تأثيره في الأفكار والأيديولوجيات السائدة &#8220;.                         ارسطوطاليس ولد الإنسان وهو يعايش صراع مرير بين نزعته الفردية والفطرية &#8221; الأنا &#8221; التي تدفعه لرفض كل أشكال القيود الاجتماعية [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;" dir="RTL"><strong> &#8221; الصراع بين الفرد والمجتمع &#8220;</strong></p>
<p dir="RTL"><span style="text-align: left;">&#8220;ان الصراع الذي يحدث في المجتمع بين فردانية الفرد واجتماعيته , ينعكس على طبيعة الحكم الذي يحكم المجتمع , فضل</span><span style="text-align: left;">ا عن تأثيره في الأفكار والأيديولوجيات السائدة &#8220;.</span><span style="text-align: left;">                         </span><span style="text-align: left;">ارسطوطاليس</span></p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">ولد الإنسان وهو يعايش صراع مرير بين نزعته الفردية والفطرية &#8221; الأنا &#8221; التي تدفعه لرفض كل أشكال القيود الاجتماعية والنفسية والفكرية , وحاجته للمجتمع والاختلاط به , وبالتالي التخلي عن تلك النزعة الفردية لصالح الجماعة , فالرغبة في الحرية المطلقة لدى الذات المتفردة , تقابلها حرية مشروطة في القالب الاجتماعي , ورفضه لكل أشكال القيود والتنظيم في النزعة الفردية والفطرية , تقابلها القوانين والتنظيمات والتشريعات التي تقيد وتمنع وتكبح جماح تلك النزعة في البيئة الاجتماعية وإطار الدولة .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وبما ان الإنسان يولد في نظام اجتماعي ,- أي – ان كل كائن بشري في كل مرحلة من مراحل التاريخ او حتى ما قبل التاريخ قد ولد في مجتمع – ونقصد به – الأسرة &#8211; , فهو اقرب الى ثقافة قبول التنظيم والمشاركة والاندماج منه الى الفوضى والهمجية , في المقابل وبالرغم من انه تربى على قبول القوانين والتنظيمات الاجتماعية منذ صغره , يمكننا التأكيد على ان تأثير النزعة الفردية &#8221; الأنا &#8221; المتمردة واللااجتماعية تطغى عليه في كثير من الأحيان نتيجة العديد من العوامل المؤثرة في تفكير وثقافة الفرد , ولان الميول الغرائزية لدى الإنسان أقوى بكثير من الميول العقلانية الواعية والاجتماعية .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وبالتالي فان الحقيقة التاريخية تؤكد بانه لا توجد هناك حرية طبيعية في الأصل الفطري , ( فالحرية بوصفها مثلا أعلى لما هو أصلي وطبيعي لا توجد كشيء طبيعي او أصلي , بل ينبغي السعي للحصول عليها ونيلها , وذلك بعد عملية تهذيب وترويض هائلة للقوة الأخلاقية والعقلية (بالرغم من ان الحالة الطبيعية للنفس البشرية وليس النشأة الإنسانية هي في أصلها نزعة نحو الفردية والغرائزية أكثر منها نزعة الى التنظيم الاجتماعي , وبالتالي فان النفس الدنيا تنزع الى رفض كل أشكال القيود والتنظيمات في مقابل رغبتها النفسية الى كل ما من شانه سبيل الى إرضاء الغرائز الطبيعية .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وهكذا يمكن التأكيد على ان الإنسان اجتماعي في أصله ونشأته ولكنه فوضوي غرائزي في طبيعته ونفسيته , وبالتالي لا يستطيع ان يعزل نفسه عن المجتمع ولا يمكنه دون ذلك المجتمع من التغلب على تلك النزعة نحو الفردانية والغرائزية , وهكذا فان على المجتمع ان يجعله أليفا وان يساعده بقدر المستطاع على توفير البيئة والوسائل السليمة والمناسبة لإشباع دوافعه البيولوجية ومن ثم التي لا يمكن استئصالها .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">فالإنسان في حاجة ماسة الى الجماعة والمشاركة والاندماج والاختلاط , ( ليس لكي يعيش في أمان فقط , ولكن لكي يثقف نفسه ويصل الى منطق الروح العليا , والواقع ان الجماعة قادرة دوما على إظهار قوة يعجز عنها الفرد منعزلا   ومن هذا المنطلق فانه يلزم باحترام الجماعة والتنظيم والتشريعات المنبثقة عنها وحمايتها كضرورة  لكرامة الجميع وسعادتهم  , و- بمعنى آخر – ان ذلك الفرد وبدخوله الى الجماعة وخروجه عن الحالة الطبيعية والغرائزية – أي – سعيه للتخلص من &#8221; الانا &#8221; , وتكوينه للشخصية الاجتماعية نتيجة حاجته لذلك فانه يقبل طوعا او مرغما لقوانينها وضوابطها وتشريعاتها .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وطبعا فانه بذلك سيواجه التهديدات الاجتماعية التي تفرض باسم الجماعة والتي ستحرمه من العديد من الرغبات الشخصية والأهواء الفردية والتوجهات الذاتية , ( لذلك نجد انه يعمل ويكافح من اجل استعادة بعض تلك الحقوق والحريات التي سلبت منه باسم المجتمع في كثير من الأوقات , وهذا النضال يولد ولادة وعيه الذي يتغير ويتطور وفق الظروف الاجتماعية )</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وهنا نشير ونؤكد الى ان ذلك القبول الثنائي بين الفرد والمجتمع , والذي يفرض ويحتم على قوة الجماعة ان تنمي وتحمي كرامة الفرد باحترامها إياه , والذي يفرض بدوره إدانة كل تطرف في عقيدة الجماعة , نجد – وللأسف الشديد &#8211; في العديد من الأوقات والأماكن ما يخالف هذه الضرورة المنطقية والحتمية الواعية من خلال انتشار ما يمكن ان نطلق عليه بقمع فردية الإنسان , وهو ما وجدناه في العديد من المجتمعات والدول المعاصرة , وخصوصا تلك التي تتسلط فيها قوة الجماعة على الفرد من خلال العنصرية والمذهبية والشعوبية , وتتسلط فيها الدول المحكومة دكتاتوريا على إرادة المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وبصورة عامة نستطيع ان نقول بان هناك علاقة ترابط وتبادل وتأثير وتأثر بين الفرد والمجتمع , فمن غير المقبول ان تطغى الأنا والغرائز والشهوات الفردية على إرادة الجماعة , فنجد ان رغبات وشهوات الفرد تتمرد وتخالف إرادة المجتمع ورؤيته للشكل ومضمون الفكرية والثقافية والاجتماعية التي يسعى لتحقيقها , كما انه ومن غير المقبول استغلال الجماعة لحاجات الفرد الاجتماعية للاندماج والمشاركة من خلال حرمانه الكلي من حاجاته ورغباته الفردية والغرائزية تحت شعارات المصالح العليا للمجتمع .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وبالرجوع الى التاريخ نجد ان العامل الأساسي لانهيار المجتمعات والدول والأفكار وقيام الثورات وحركات التحرر هو التعسف والدكتاتورية وقمع فردية الإنسان , كما جرى على سبيل المثال لا الحصر مع الفكر الشمولي السوفيتي في أواخر القرن العشرين , لذلك وجب ان يكون هناك توازن في العلاقة الجدلية بين فردية الفرد واجتماعيته , والعناية بإيجاد نوع من التوازن في العلاقة بين الذات الإنسانية الغريزية النازعة الى الفردية والأنانية , والبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها بالذات , &#8211; أي – بين النظام الطبيعي ألغرائزي والنظام الاجتماعي العقلاني , وهذا الأمر لا يمكن ان يتحقق سوى من خلال سلطة ضبط تمارس باسم الجماعة والمجتمع والدول , وهذه السلطة هي ما يطلق عليها تسمية &#8221; القانون &#8221; , فالقانون هو &#8221; سلطة وقوة تمارس باسم الجماعة لعقلنه التصرفات وضبط الغريزة الفطرية  للأفراد , فالقانون بصورة عامة هو العقل البشري للأمة والحضارة ( لأنه يحكم شعوب الأرض قاطبة , وليست قوانين امة من الأمم إلا حالات خاصة لتطبيق هذا العقل البشري ).</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وباختصار وكما يؤكد ذلك سبينوزا , فان ( غريزة السيطرة وإخضاع الآخرين ضرورية لنشوء الحضارة واستقرارها , ولكن وفي نفس الوقت فان التفريط فيها يؤدي الى انهيار تلك الحضارة , وهذه الحالة كحالة الترف عند ابن خلدون , فكما يرى ابن خلدون الحضارة لا تنشأ بدون ترف , ولكن الترف الزائد يؤدي الى انهيار وسقوط الحضارة ) .  .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">لذلك فانه ما من وسيلة مناسبة لعقلنه تلك الحالة الطبيعية وذلك الصراع بين فردانية الإنسان وشهواته وحاجته الى المشاركة الاجتماعية وبالتالي فقدانه للكثير من طبيعته الغرائزية بحكم ذلك الاندماج وانصياعه لطبيعة التوجه الاجتماعي وحكم القوانين التي فرضتها الجماعة , سوى وجود قوانين وأنظمة دستورية وإنسانية تنظم وتحكم تلك العلاقة الحتمية , و- بمعنى آخر -  فانه ولكي يعيش الناس في أمان واستقرار وحرية , وعلى أفضل نحو ممكن للتقدم والبناء وعمران الحضارة يجب عليهم ان يسعوا الى التوحد في نظام واحد تحت مظلة القانون ( ونتيجة ذلك ان الحق الذي كان لدى كل منهم بحكم الطبيعة على الأشياء جميعا , أصبح ينتمي الى الجماعة , ولم تعد تتحكم فيه قوته او شهوته , بل قوة الجميع وإرادتهم , على انه كان لابد لمحاولتهم هذه ان تفشل لو كان الناس قد أصروا على إتباع الشهوات – والتمرد على الجماعة والمجتمع &#8211; &#8230;&#8230;</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وإذن كان لزاما عليهم ان يتفقوا فيما بينهم عن طريق تنظيم حاسم على إخضاع كل شيء لتوجيهات العقل وحده , وعلى كبح جماح الشهوة بقدر ما تسبب أضرارا للآخرين , وعلى معاملة الناس بمثل ما يحبون ان يعاملوا به , وأخيرا على المحافظة على حق الآخرين كما لو كانوا يحافظون على حقهم الخاص , ولكي يكون هذا التحالف متينا ومضمونا وجب إبرامه بشروط معينة , انه لقانون شامل للطبيعة , ان أحدا لا يترك ما يعتقد انه خير إلا أملا في خير أعظم , او خوفا من ضرر اكبر , ولا يقبل شرا إلا تجنبا لشر أعظم منه , او أملا في خير اكبر , &#8211; وبعبارة أخرى – يختار كل فرد ما يبدو له أعظم الخيرين واهون الشرين )  .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وكما هو معلوم فان المشكلة الكبرى التي واجهت التنوع الإنساني منذ القديم , والتي أرغمته الطبيعة على ان يجد لها حلا هو الوصول الى تكوين مجتمع مدني يحكمه قانون عام , ولما كان في المجتمع وحده – كما يقول كانت – تحقق اكبر قدر من الحرية , ففيه يتحقق أدق تعيين وتامين لحدود تلك الحرية والعدالة والمساواة التي يمكن بلوغ غرض الطبيعة منها : &#8211; أي – نماء كل استعداداتها في الإنسانية , ( إذن فلابد ان يكون ثمة مجتمع ترتبط فيه الحرية , في نطاق القوانين الخارجية الى اعلي درجة ممكنة , وبقوة لا تقهر , &#8211; اعني – دستورا كاملا عادلا للمواطنين , فهذا هو أعلى واجب على الطبيعة نحو بني الإنسان , لان الطبيعة لا تستطيع ان تحقق سائر أغراضها من النوع الإنساني إلا عن طريق حل تلك المشكلة وتحقيق ذلك المجتمع )</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">
<p style="text-align: right;" dir="RTL"><strong>&#8221; الصراع بين المجتمع والدولة &#8220;</strong></p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">ان تحقيق التوازن بين النظام الطبيعي والنظام الاجتماعي لا يتحقق كما سبق واشرنا سوى من خلال وجود قوانين وأنظمة وتشريعات دستورية وإنسانية تنظم وتهذب تلك العلاقة الحتمية , وانطلاقا من كل ما سبق ذكره يمكننا التأكيد على ان المجتمعات والأفراد الذين لا تحكمهم قوانين تنظم سلوكياتهم وتصرفاتهم ورغباتهم وشهواتهم ونزعاتهم الفردية والغرائزية , سوف يعانون من الفوضى والانحلال والتفكك , وسوف تنتشر فيهم الجريمة والأوبئة الاجتماعية والثقافية , ويسود بينهم قانون الغاب , كما انه ومن جانب آخر , ونتيجة لازدياد ضغط الجانب الاجتماعي – أي – انتهاك فردية الفرد من الجماعة , او تحت ستار المصلحة المجتمعية يحاول الفرد إنقاذ فرديته , وفي هذه الحالة يتمرد على الواقع ويقوم بالتمرد والثورة لإرجاع استقلاليته وحريته الفردية .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وهنا يأتي دور القوانين , ( فالقانون بوصفه شعورا ملائما , هو سبب صحيح للتوافق مع الطبيعة – وليس مخالفا لها &#8211; , وانه ينتشر من خلال كل التجمعات الإنسانية , وهو يخاطب الناس بصورة أبدية , وغير متغيرة للقيام بواجبهم , وذلك عن طريق أمرهم وردعهم من القيام بالأعمال غير الصحيحة وتحريم – وتجريم &#8211; هذه الأعمال ) , فالتنظيم والقانون هو الخطوة الأولى من اجل تكوين إنسانية الإنسان , والقواعد القانونية في الأصل تسن للحفاظ على مصلحة الجماعة ككل , وصيانة والحفاظ على الحقوق الأساسية التي دفعت الإنسان في مرحلة ما ولحاجة ما بالتضحية بالعديد من حرياته لأجلها بمجرد قبوله الانضواء تحت مظلة الجماعة والمجتمع والدولة.</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">اذا فالقوانين لا تناقض الطبيعة الإنسانية او تلغي فردية الذات البشرية الغرائزية بل هي تنظمها وتزكيها وتهذبها لما فيه مصلحتها , ( فالقوانين الصحيحة لا تحكم الناس – او تتحكم بهم كما يصورها البعض من الفوضويين والانحلاليين – القوانين الصحيحة تعمل على تغذية نسيج المسلمات والسلوكيات المنضبطة , التي يحكم الناس بها أنفسهم , وتدمر الديموقراطية نفسها اذا دمرت عادت ضبط النفس , ونكران الذات او الروح العامة ) .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وبالخروج من الحالة الفردية الى الحالة الاجتماعية – أي – تكوين الشخصية الاجتماعية وطبيعة الصراع الذي ينتج عن تلك الحالة , يبرز لنا صراع تعددي اكبر , وهو صراع يتجاوز في طبيعته الانا ورغباتها ونزعاتها الفطرية والغرائزية وحاجتها الى الإشباع النفسي , وما يمكن ان تتسبب به تلك النزعة الفردية تجاه المجتمع الصغير من خلل في النظام الاجتماعي , لينتقل الى صراع اعم واشمل وأكثر خطورة , وهو صراع تفرضه طبيعة التوسع في الغرائز والنزاعات الاجتماعية بين عدد اكبر من الأفراد والمجتمعات الصغيرة , وهنا تبرز الحاجة الى سلطة قانونية اكبر تحتوي السلطة والنزعة الاجتماعية اللاواعية لتلك التجمعات الصغيرة .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">فالتاريخ الحضاري هو حصيلة التأثير المتبادل بين الفرد والمجتمع , والمجتمع والدولة , والدولة وبقية دول المنظومة الكونية , لذلك وعندما تتجه الظروف الاجتماعية الى التعدد , وتتجه الحاجات الى ان تتفرع وتتشعب على نحو لا حد له , وكذلك الوسائل والاستماع , عندها يظهر الحاجة الى قوة اكبر من المجتمع لفرض سلطته عليه , فليس بمقدور المجتمعات الصغيرة ان تحتوي رغباتها وشهواتها ونزعاتها دون قوة يد أعلى منها , وهنا تبرز الحاجة الى سلطة الدولة .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وتبرز لنا هنا إشكالية معينة من خلال المفاهيم السابقة , وهي ان سلطة الدولة وقوانينها على المجتمع , ليست هي تلك السلطة والقوانين التي فرضها المجتمع على الفرد , ونقول بان هذا الفهم هو فهم قاصر وان كان صحيحا من جهة ما , فسلطة المجتمع على الفرد تستمد من أمرين , وهما : الأعراف والتقاليد , ومن قوة الدولة وقوانينها , أما الدولة فتستمد قوتها من القوانين التي يفرضها ويؤسسها ويصوغها أفراد المجتمع في المجتمع الأعلى – أي – مؤسسات المجتمع المدني بقصد تنظيمه وتهذيب أفعاله , مع ضرورة ربطها بالتشريعات والأنظمة والقوانين الدولية والأممية – أي  &#8211; عولمة القوانين &#8211; , وهنا نقول : بان الدولة التي تصوغ قوانينها وتنظيماتها وتشريعاتها من خلال المجتمع والقانون الدولي هي دولة &#8221; القانون العالمية &#8221; .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وعلى ذلك نجد بان التوصيف الأقرب لدولة القانون المنشودة هنا : هي تلك الدولة التي تؤسس قوانينها وشرائعها وتنظيماتها من خلال مشاركة المجتمع بمختلف مؤسساته وفئاته , مع مراعاة عولمتها من خلال سلطة المجتمع الدولي والقوانين والأنظمة والشرائع الدولية , وبالطبع ضرورة مراعاة الخصوصية الداخلية لطبيعة الأمة والمجتمع نفسه , وبالتالي فهي دولة تراعي أهمية التوازن بين تحرر المجتمع المدني نسبيا من الدولة , وضرورة وجود هيبة للدولة كأعلى سلطة على الأفراد والتجمعات , ولكن ليس سيطرتها وسطوتها عليه فيما يطلق عليه بالدولة الشمولية , ومن ثم مراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية من خلال تلك الدولة .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">من خلال ذلك نستطيع ان نتصور بان الشكل المستقبلي لطبيعة العلاقة بين الأفراد والمجتمع والدولة من خلال دولة القانون العالمية , وان كانت تأسس لمؤسسات حرة نسبيا , يؤكد على ( المجتمع المدني لا يتحقق إلا عبر الدولة التي يجب ان تضطلع بمسؤولية المساعدة على حل تناقضاته الداخلية – التي ستبرز من خلال الحرية النسبية التي نالها &#8211; , وتتوقع منه إدراك واجبه بالخضوع لسلطتها , و- بعبارة أخرى – فان هذا المجتمع ليس الدولة ولا يحل محلها , ولكنه لا يمكن ان يتمظهر إلا من خلالها ) .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وهكذا لا يمكن بحال من الأحوال ان ينظر الى تلك الدولة على أنها دولة دكتاتورية او شمولية كون قوانينها وسلطتها وسلطانها وسطوتها تنبع من المجتمع الذي اختار بنفسه القوانين والشرائع التي تحكمه وتدير شؤون حياته , فكيف يختار المجتمع ما يمكن يهدد حريته ويسئ إليها ؟ &#8211; ونقصد بالمجتمع هنا – هو مؤسسات المجتمع المدني التي تتشارك في بناء وتأسيس القوانين التي تضمن حسن الإدارة الوطنية والتنظيم لمصالحها وثروات الوطن , فالقواعد القانونية التي تؤسس بمشاركة المجتمع تسن من اجل الحفاظ على مصلحة الجماعة ككل , وبالطبع فان خروج او تمرد فرد او تجمع كالقبيلة او مؤسسة بعينها او مجموعة أفراد بعد ذلك على تلك القوانين يعد اعتداء على سلطة المجتمع وهيبة الدولة .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">- وبمعنى آخر – بانه ولكي يعيش الناس في أمان وسلام وتعم العدالة والحرية وينال الفرد كرامته وإنسانيته والمجتمع استقراره والدولة هيبتها أمام العالم , لابد ان يتوحد الكل في نظام واحد وتحت مظلة دستور واحد , فالتنظيم هو الخطوة الأولى من اجل تكوين وبناء إنسانية الإنسان , وتحطيم أنانيته وفردانيته واحتواء غرائزه وشهواته , كما ان المجتمع ومن خلال هذا المنطلق الشامل والعام , وبخضوعه لسلطة الدولة فانه لا يفقد حريته , وكذلك الدولة والأنظمة السياسية حين تنطلق من سلطة الجماعة فانه لا يمكن ان تسقط يوما او تنهار او تعاني من التمرد والعصيان الاجتماعي .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">فالمجتمع في الأصل ( لا يخضع للتنظيم وينصب على نفسه حكاما ويطيع هؤلاء الحكام إلا من اجل سعادته ,  ويترتب على ذلك أنهم يجب ان لا ينصبوا على أنفسهم حكاما إلا ليوفروا المزيد من الضمانات لسعادتهم , لذلك فالناس هم الذين عليهم صيانة القوانين , وان أقدموا على انتهاكها فانه بذلك يكونون أعداء لأنفسهم , وكما قيل فانه&#8221; بئسا للملك الذي يزدري من القانون , وبئسا للشعب الذي سكت عن ازدراء القانون ) .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">اذا وكما أكدنا سلفا على ضرورة وجود توازن بين النظام الطبيعي للفرد والنظام الاجتماعي , ووجدنا ان ذلك التوازن لا يتحقق سوى من خلال قانون المجتمع – أي – الخضوع لسلطان الجماعة , فان الجماعة نفسها , او التجمعات والمؤسسات المدنية بحاجة الى سلطة قانون من نوع آخر وسلطة اكبر ونظام أوسع واشمل يحقق لها ذلك التوازن , وهو ما لا يمكن ان يتحقق سوى من خلال سلطة الدولة وقوانينها المنظمة لشؤونها العامة والخاصة وطبيعة التعامل بين الفرد والمؤسسات والحكومة .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وفي نهاية المطاف لا يمكن تحقيق التوازن العام بين – الفرد والمجتمع والدولة – والوصول في نهاية الى العدالة والحرية الحقيقية للجميع سوى من خلال قوة اشمل واعم – ونقصد – بها الدستور , فالدستور هو عقل الأمة وقانونها وموجهها ومنظم حياتها وسبب قوتها وبقاءها , وان إقامة الحكم على أسس دستورية ترتضيها الأمة ويلتزم بها الحاكم ضرورة حيوية لتأطير العلاقات السياسية والاجتماعية , &#8211; وباختصار – وكما يخضع الفرد لسلطة الجماعة , وتخضع المؤسسات والتجمعات لسلطة الدولة , فان الجميع في نهاية المطاف يخضع لعقل الأمة – أي – الدستور .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">
<p style="text-align: right;" dir="RTL"><strong>&#8221; النزاعات والحروب بين الدول &#8220;</strong></p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">كثيرة هي النظريات والفرضيات التي أثمرت عنها جهود علماء العلاقات الدولية والتاريخية والباحثين المتخصصين في سيكولوجيا الصراع والحروب والنزاعات العابرة للقارات في سعيهم الدءوب للإجابة عن ابرز سؤال يمكن ان يطرح في هذا الجانب وهو : لماذا تخوض الدول حروباً وصراعات ضد بعضها البعض ؟ , ومن خلال متابعة اغلب تلك النظريات وجدنا أنها تنقسم الى جزأين : وهي عوامل داخلية وأخرى خارجية , وذلك بحسب المناهج المستخدمة في الوصول الى النتائج في تلك الدراسات , ما بين المنهجين الكمي والكيفي.</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">إلا انه &#8211; وللأسف الشديد – لم نرى الكثير من الاتجاهات التحليلية التي تتبنى الميول النفسية والغرائزية والفطرية للدول نحو تبني فكرة الصراعات والنزاعات والحروب , بالرغم من ان طبيعة العلاقة بين الدول لا تختلف كثيرا من الناحية السيكولوجية عن تلك العلاقة التي تنشا بين الفرد والمجتمع او بين المجتمعات داخل الدولة والدولة كنظام وحكومة تخضع لها تلك التجمعات الإنسانية الداخلية .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL"> فالكل في نهاية المطاف يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية وان كان ذلك على حساب الآخرين , حيث يمكن لفكرة المصلحة &#8221; الانا &#8221; وحب السيطرة ان توجه الدول نحو الحروب والصراعات كما وجهت الأفراد والمجتمعات الى التمرد والثورات والانقلابات , ويختلف منسوب وقوة تلك النزعة ما بين دولة وأخرى , وهذا لا ينطبق فقط على الدول القوية على حساب الدول الضعيفة , ( فوفقاً لنظرية مباريات التفاعل الدولي ، يمكن لدولة ضعيفة جداً فى ظروف معينة شن حرب ضد عدو أشد منها قوة، خاصة إذا تصورت أن ما ستجنيه من هذه الحرب سيكون كبيراً وأن تكاليفها ستكون منخفضة ) .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">ومن هذا المبدأ فان البعض يرى ( إمكانية دراسة الصراعات الداخلية والخارجية بمنهج واحد ومفاهيم واحدة ، لأن منطق الثورة والحرب واحد ومن النتائج القليلة المهمة فى هذا المجال ما توصل إليه – والت- من علاقة بين الثورات المحلية والحروب الدولية ، فاندلاع ثورة يؤدى إلى إعادة تحديد مصدر التهديد الخارجي الرئيسي للدولة ، ومن ثم قد يشجع الزعماء الجدد على استخدام القوة المسلحة فى السياسة الخارجية ) .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وكما برزت ضرورة وجود توازن بين النظام الطبيعي للفرد والنظام الاجتماعي , ووجدنا ان ذلك التوازن لا يتحقق سوى من خلال قانون المجتمع – أي – الخضوع لسلطان الجماعة , والجماعة نفسها , او التجمعات والمؤسسات المدنية بحاجة الى سلطة قانون من نوع آخر وسلطة اكبر ونظام أوسع واشمل يحقق لها ذلك الضبط والتوازن , وهو ما لا يمكن ان يتحقق سوى من خلال سلطة الدولة وقوانينها المنظمة لشؤونها العامة والخاصة وطبيعة التعامل بين الفرد والمؤسسات المدنية والحكومية .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">فكذلك الدول في علاقاتها مع بعضها البعض بحاجة ماسة وحتمية الى وجود ذلك النوع من التوازن او النظام الذي يؤطر لحدود الحق الدولي والسيادة الداخلية للدولة وفي نفس الوقت يحتوي تلك النزعة الفطرية والاستعمارية للقوى والدول الكبرى او تلك التي تحاول التمرد واستعراض عضلاتها على بقية المجموعة الدولية , وتكمن الصورة التقريبية في شكل تلك العلاقة الفطرية في النظام الدولي وتشابهه مع النظام الطبيعي في نظرة العديد من دول العالم الى بعضها البعض من خلال قانون القوة والمصلحة .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وهو ما قد يدفع بدوره بعض الدول الى النزوع الى استخدام تلك النزعة الفردية للسيطرة وفرض العضلات كما سبق واشرنا , &#8211; وبمعنى آخر – فانا وجود الانا في النظام العالمي والدولي بين الدول يتشابه بدرجة كبيرة مع &#8221; الانا &#8221; في النظام الطبيعي , إلا ان خطورة نزعة الانا في النظام الدولي أوسع واعم واشد خطر وتأثير من النزعة الفطرية والانا في النظام الطبيعي او الاجتماعي .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">فالصراع من اجل القوة ظاهرة شاملة زمانا ومكانا , والتجربة أقامت الدليل على صحة وجودها كونها حقيقة , وليس ثمة من يستطيع ان ينكر ان جميع الدول وعلى اختلاف أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية , كبيرة كانت او صغيرة , قد التقت في جميع الأزمنة والأماكن على الصراع من اجل القوة والسيطرة والسيادة والتحكم بدافع المصلحة , ( وبالرغم من ان علماء الأجناس البشرية , قد اظهروا بان بعض الشعوب البدائية تبدو متحررة من الرغبة في السلطان , إلا ان أيا منهم لم يبرهن لنا بعد ! كيف يمكن نشر أوضاعهم العقلية والحياتية على صعيد عالمي , بحيث يصبح في الإمكان إزالة الصراع من اجل القوة – والسيطرة والنزعة الى الاستعمار والتوسع &#8211; في المسرح الدولي ) .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وبما ان الإنسان لا يستطيع العيش منفردا , فكذلك الدول لا يمكن لها مهما حاولت التقوقع على نفسها او عزل نفسها والانزواء بعيدا عن الآخرين في المجتمع الدولي , وحتى اذا افترضنا ان مجتمع من المجتمعات لم يكن بحاجة الى التعامل مع الآخرين , وهذا الأمر مستحيل بكل تأكيد , فان المجتمعات الأخرى بحاجة الى التعامل معه , وبما ان الدول جميعها تعيش في بيئة دولية كبيرة , لذلك فان تصرف أي دولة يؤثر في الدول الأخرى , وهذا ما يسمى بالمفهوم السياسي بمنطق الاعتمادية , والتي تعني ان ما تفعله امة ما يؤثر في باقي الأمم في النظام ذاته .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">حتى ان المشاكل الداخلية الناتجة عن الخلافات والنزاعات الفردية وتلك التي تحدث في إطار المجتمع داخل الدول وتعتبر نزاعات وخلافات سيادية داخلية , تؤثر بشكل مباشر وخطير في كثير من الأحيان على الصعيد الدولي  , وهو ما قد يؤدي الى نقل وتصدير تلك الأزمات والصراعات والثورات الى الخارج , او بقية أعضاء المجتمع الدولي , وبالتالي فان عملية تحقيق التوازن من خلال دستور الدولة يعد صعب ومعقد للغاية في بعض الأحيان بالاعتماد على الحلول والموارد الداخلية , لدرجة ان سيادة الدول نفسها واستقرارها لا يمكن ان يتحقق دون الاعتماد على المجتمع الدولي نتيجة توقفه على الأوضاع السياسية الدولية .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">فمثلا ( مشكلة إيجاد دستور للمواطنين وان كان مسالة داخلية لكنها تتوقف على المتغيرات والتحولات والأحوال الدولية الخارجية وخصوصا القانونية منها , ولا يمكن ان تحل بدون هذه الأخيرة , فالروح غير الاجتماعية التي أحوجت الناس الى التجمع وإقامة الدستور هي نفسها السبب في ان كل هيئة او امة في أحوالها الخارجية , اعني الدول في علاقاتها مع الدول الأخرى لا تعمل في حرية مطلقة , ومن ثم يجب ان تنظر كل منها من الأخرى ان تصيبها بالشر الذي حمل الأفراد وأرغمهم على اصطناع وضع قانوني مدني ) .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">ونتيجة لتلك الحتمية التبادلية والاعتمادية في العلاقات الحضارية والإنسانية والتاريخية بين الأمم , والتي ( يزعم العديد من دعاة الحرية الاقتصادية – انه أي  &#8211; التوافق أو الاعتماد المتبادل بين الدول يؤدى دائماً إلى السلام بينها , بالرغم من انه لم يتوصل دارسو الصراع الدولي إلى إجماع حول هذه العلاقة ، بل أصبح الجيل الجديد منهم أكثر ميلاً للتشكيك فيها ) من جهة , وفي ظل التأكيد من خلال الأدلة التاريخية والحضارية على وجود النزعة الفطرية للهيمنة وسطوة الأمم في سيكولوجيا العلاقات الدولية والحضارية من جهة أخرى .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">برزت الحاجة الى وجود سلطة مشابهة لسلطة دستور الدولة الداخلي والذي اشرنا إليه على انه السلطان والعقل المنظم لعلاقة ألأطراف داخل الدولة او الأمة الواحدة – أي – الفرد والمجتمع المدني والدولة , لتقوم بتنظيم وإدارة تلك العلاقة المتشابكة والمتشعبة والحتمية بين الدول والقوى الدولية , واحتواء تلك النزعة الاستعمارية والفطرية سالفة الذكر والتي يمكن ان تدفع وتحفز بعض الدول الى شن الحروب والصراعات ونشر النزاعات العابرة للقارات , وهو ما افرز نتيجة لذلك ما أطلق عليه لاحقا من جهة بالسياسة الدولية او السياسة بين الأمم كما يحلو للبعض تسميتها , ومن جهة أخرى ما أطلق عليه بالقانون الدولي .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">اذا فالقانون الدولي في إطار السياسة الدولية &#8221; يفترض &#8221; ان يكون هو الدستور الإنساني والنظام الحقوقي العالمي العادل والحافظ لسيادة الدول وكرامة وإنسانية الشعوب في مختلف أرجاء المعمورة , وعقل الأمم العالمية المنظم والحاكم لشكل العلاقات الدولية بينها , والقوة الرادعة لكل أشكال الاحتلال والاستعمار والهيمنة وانتهاك سيادة الدول .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">ولهذا سبق واشرنا على ضرورة ان تؤسس وتبنى الدساتير والقوانين الداخلية للدول في إطار دولي يحقق لها ذلك التوازن بين الحق الداخلي وهو سيادة كل دولة على نفسها وحقها في تنظيم وتشريع القوانين التي تتناسب وطبيعة الأمة الداخلية ورفض التدخل في شؤونها وسيادتها , وذلك الحق الخارجي الملزم للمجتمع الدولي في تسوية النزعات الداخلية والدولية كونها تؤثر في المنظومة الدولية خارج دائرة الصراع بحكم قاعدة التأثير والتأثر او النظرية التبادلية , والتدخل الإنساني في إطار القانون الدولي .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">
<p style="text-align: right;" dir="RTL"><strong>&#8221; الوعي الإنساني بين الحرية والقانون &#8220;   </strong></p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">ان وعي الإنسان بحقوقه وواجباته تجاه المجتمع والدولة , وحتى وعيه بما هو ابعد من ذلك – واقصد – تجاه الإنسانية ككل , ومعرفته بحدود حريته وسلوكه المنظم والحضاري وأسلوبه في المطالبة بحقوقه الإنسانية والاجتماعية والسياسية والفكرية وغيرها , والتي سلبت منه في وقت من الأوقات ودن وجه حق او قانون او حتى تحت شعارات وأيديولوجيات رسمية او اجتماعية , يكفل له الوصول إليها وتحقيقها بكل يسر وسهوله وبطرق دستورية وقانونية وأخلاقية , وبدون المساس والتعدي على حقوق الآخرين ومصالحهم .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">اذا فوعي الإنسان الفكري والسلوكي بالقوانين يكفل له الحرية والعدالة والمساواة في اسمي معانيها الطبيعية والإنسانية , فلا حرية ولا إنسانية في ظل الفوضى والانحلال وفساد الأخلاق وحياة الغاب , كما انه لا يمكن لمجتمع او امة من الأمم ان ترتقي بنفسها الى سلم الحضارة والتقدم والمدنية في ظل النزاعات الفردية والاختلافات الجماعية وغلبة الانا , فاتفاق الكلمة هو قوة للجماعة , وبدون هذا الاتفاق لا يستطيع أي فرد ان يتقدم الى الأمام , وان يعيش حياة الاستقرار والحرية , ويؤسس لمجتمع متقدم ومتحضر وراق بمؤسساته وخدماته وتطلعاته وأفكاره .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">كما ان فقدان الفرد  لهذا الوعي الإنساني والقانوني سينعكس سلبا على حاضره ومستقبله , وسيزيد من إضعاف تلك المؤسسات التي يقوم عليها المجتمع او تقوم عليها الحكومة , ومنها المؤسسات السياسية ( لان هناك علاقة وطيدة بين حضارة المجتمع والمؤسسات السياسية &#8211; او بقية مؤسسات المجتمع المدني – وان الوظيفة الأساسية للسلطات العامة هي تعزيز الثقة المتبادلة والسائدة في قلب الوحدة الاجتماعية , وان فقدان الثقة في حضارة المجتمع يخلق عقبات مهمة أمام إقامة مؤسسات عامة ,هذه المجتمعات يعاني فيها الحكم من عجز في الفعالية والاستقرار ويعاني أيضا من ضعف الثقة المتبادلة بين المواطنين في الولاء القومي والعالمي , وفي المهارات والقدرات التنظيمية )</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">كما ان وعي الأنظمة الرسمية والحكومات بمسؤولياتها الدستورية والقانونية والإنسانية تجاه أفرادها ضروري للغاية , حيث من الواجب ان تدرك أنها مكلفة بان تحكم وتدير نواحي الحياة وشؤونها باسم الشعب , &#8211; - وباختصار – فان الدول تعبر عن إرادتها وقوتها وحضارتها من خلال إرادة الشعوب , كما ان المجتمع يعبر عن إرادته بواسطة الدولة , وانه لولا الشعوب ما وجدت الحكومات والأنظمة , فما من حكومة ولا حاكم في الأصل بدون شعب , كما انه وفي نفس الوقت لا يمكن لشعب من الشعوب الواعية والعاقلة والمتحضرة ان يرجو بناء دولة او حضارة بدون قائد مستنير عادل يقوده ويدفع به الى الأمام .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">فمهمة الدولة هي ان تقوم بخدمة المواطنين بصورة فعلية وتسهر على حمايتهم ورعاية مصالحهم , وإلا كما يقول أفلاطون : ( فان من أفظع أعمال الرعاة وادعاها الى الخزي , ان كلابهم التي ربوها لحراسة القطيع , تهجم على الأغنام , إما بسبب جوعها او نهمها , فتمزقها بأنيابها , فتكون ذئابا لا كلاب حراسة &#8230;.. لذلك كما يرى أفلاطون انه ليس من الضرورة الوقوف عند هذه النقطة , ولكن الأمر الأجدر والأعظم أهمية هو الإصرار على ما قلناه , وهو : ان يتم تهذيب &#8211; القادة المستقبليين ومسئولي الدولة – تهذيبا صحيحا اذا أريد بهم الحصول على أعظم مؤهلاتهم للحنان والعاطفة , نحو رفاقهم ونحو الذين يحكمونهم ) .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">اذا فالحرية بوصفها مفهوما مجردا من زاوية الفلسفة والقانون التي تؤدي دورا أساسيا في سقوط ونشوء الحضارة الإنسانية , بحاجة الى توازن بين المسؤوليات الاجتماعية والرسمية , ومعرفة كلا الطرفين حدود واجباته وحقوقه تجاه الطرف الآخر , حيث تؤكد على أنها لا يمكن ان تتحقق في ظل مجتمع لا يستطيع الوعي بحقوقه وواجباته تجاه مؤسساته المدنية والحكومية , كما انه يكشف النقاب على ان الحرية الإنسانية لا يمكن ان تزدهر وتنفتح في إطار حياة الفقر والكدح والقمع والكبت والظلم الاجتماعي .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">والحرية بهذه الصورة تشكل صراعا جدليا بين السلطة والوعي الجماعي المتحرر الذي يتطور باستمرار لان هذا المفهوم يتعلق بالفكر والأذهان وليس سهلا ان تقع تحت سيطرة أية سلطة , لذلك يخلق صعوبة دائمة أمام السلطة , وكما يقول سبينوزا ( لو كانت السيطرة على الأذهان سهلة مثلما يمكن السيطرة على الألسنة , لما وجدت أية حكومة نفسها في خطر ولما احتاجت أية سلطة لاستعمال العنف , وعاش كل فرد لهوى الحكام , ولما اصدر حكما على حق او باطل , على عدل او ظلم إلا وفقا لمشيئتهم , ولكن الأمور لا تجري على هذا النحو , لان ذهن الإنسان لا يمكن ان يقع تحت سيطرة أي إنسان آخر , اذا لا يمكن ان يخول احد بإرادته او رغما عنه الى أي إنسان حقه الطبيعي او قدرته على التفكير , وعلى ذلك فان السلطة التي تدعي أنها تسيطر على الأذهان إنما توصف بالعنف )</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وفي التناول الدولي لمسالة الحرية من الناحية القانونية نجد ان مسالة الوعي حاضرة وبكل قوة , فبينما تدفع الاتفاقيات الدولية المجتمع الدولي الى ضرورة احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية , وحقوق الدول وسيادتها , نجد وفي الجانب الآخر اتجاهات دولية تنادي ضبط التعبير عن تلك الحرية في إطار القانون , ولقد وضح هذا الرأي في العديد من المواثيق الدولية وكذلك الاتفاقيات والممارسات الخاصة بالدول , ومن ذلك مثلا الاتفاقية لخاصة بالحقوق المدنية والسياسية للإنسان للعام 1966م في مادتها 19 , الفقرة 2 .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">وجاءت المادة 20 بدورها لتحظر التعبير عن الرأي في الحالات التي تضر بالمجتمع الدولي , حيث جاءت لتؤكد ممانعتها بحكم القانون كل دعاية من اجل الحرب , وكل دعوة للكراهية القومية والعنصرية والتحريض على التمييز والمعاداة والكراهية , كما وضحت باسم القانون الدولي إطار القيود المفروضة على حرية التعبير , والتي نجد اغلبها تدور حول ضروريات الوعي بالمسؤولية الإنسانية والحضارية , ولهذا استهدفت أغراضا محددة كاحترام حقوق وسمعة الآخرين يحسب المادة 17 , وحماية الأمن القومي او النظام العام او الصحة العامة او الأخلاق والدعاية من اجل الحرب .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">كما نجد في نصوص ميثاق الأمم المتحدة ما يدعم ذلك في إطار النزاعات الدولية وسيادة الدول , كما هو منصوص عليه في المادة 2 من الفقرة  4 من الميثاق , والتي تمتع على الأطراف الدولية التهديد باستخدام القوة ضد سلامة الأراضي او الاستقلال السياسي لأية دولة , والفقرة 7 التي تحرم على المنظمة والدول التدخل في المسائل التي تعد من صميم السلطان الداخلي للدولة .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">كما أنها – أي – المواثيق والقوانين الأممية وكما كفلت الحريات كحرية التعبير على سبيل المثال لا الحصر كما ورد ذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948م , واتفاقية الحقوق المدنية والسياسية للعام 1966م واتفاقية الحق في التصحيح الدولي للعام 1952م , وغيرها من الاتفاقيات الدولية , فإنها كذلك وفي نفس الوقت قد حضت على ضرورة اشرأب شباب العالم السلم والاحترام المتبادل والتفاهم بين الشعوب في الإعلان الصادر عام 1965م وهو على سبيل المثال لا الحصر .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">من هذا يتبين ان الحرية مرتبطة بعلاقة عضوية مع المصلحة عندما ينظمه القانون , ويصبح هو – أي القانون &#8211; الإطار الذي تمارس فيه الحريات , لذلك وعندما تولد مصلحة جديدة تولد في الوقت نفسه حرية جديدة يتم السعي للوصول إليها في إطار القانون وليس العنف والفوضى , ونتيجة لذلك الصراع بين المصالح والحقوق والواجبات يزداد وعي الناس وإدراكهم – أي – ثقافتهم تجاه ذلك الحق , فمن خلال الوعي الإنساني القائم بين الحرية والقانون في ظل الصراع على المصالح والنزعة الفردية والجماعية وسلطة النظام يتكون البناء السيكولوجي الذي تحتاجه الحضارة الإنسانية للارتقاء والتقدم والوصول الى الحرية الحقيقة , وهو ما يؤكد من جهة ثانية ضرورة وجود توازن دقيق بين السلطة والحريات .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">ويعلمنا التاريخ ان مصير الأمم والشعوب منوط بحكم القوانين او بلا معقوليتها , وبقدرة الأفراد والمجتمع والأنظمة على التفاهم والتكامل في إطار وعي شامل بحدود المسؤولية والحقوق والواجبات في ظل دستور إنساني داخلي يراعي فيه الاتفاقيات والتشريعات الدولية , وكما سلف واشرنا على ضرورة ان ينبثق ذلك الدستور من رؤية جماعية تشاركيه بين المجتمع المدني والنظام الحاكم , &#8211; بمعنى آخر – سلطة تنبثق من الجماعة على نحو يكون الجميع ملزمين فيه بان يطيعوا أنفسهم لا ان يخضعوا لأمثالهم .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">أخيرا فانه يجب ( ان توضع القوانين في كل الدول بحيث يكون الباعث على ضبط الناس هو الأمل في تحقيق خير معين , ويرغب فيه بوجه عام , أكثر من خوف يحيط بهم , وبذلك سيقوم كل فرد بواجبه بحماس كامل , وبما ان الطاعة كما هي معروفة لدى الجميع تدور في إطار تنفيذ الأوامر بالخضوع لسلطة الرئيس الآمر وحدها , فإننا نرى – كما يقول ذلك سبينوزا – ان هذه الطاعة وهذا الخضوع المكروه لا مكان لهما في مجتمع تكون السلطة فيه منتمية الى جميع أفراده , وتوضع فيه القوانين برضا الجميع , ففي مثل هذا المجتمع , سواء ازداد عدد القوانين ام نقص , يظل الشعب حرا لأنه يفعل برضاه الخاص لا بخضوعه لسلطة الآخرين ) .</p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">
<p style="text-align: right;" dir="RTL" align="center"><strong><br />
</strong></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3665/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>تحذير من إهلاك قائم وإهلاك قادم</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3656</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3656#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 21 Apr 2012 02:49:16 +0000</pubDate>
		<dc:creator>زاهر بن حارث المحروقي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3656</guid>
		<description><![CDATA[من رأي الشيخ محمد الغزالي رحمه الله أن ما أصاب الأمة الإسلامية من بلاء أو هزيمة ابتداء من هزيمة معركة أحد غالبا كان بسببها والمعنى واضح هو أنها السبب في كل ما يصيبها لتقصيرها، وأنا من المؤمنين بأن كل ما يصيبنا على المستوى الشخصي أو العام يجب أن نبحث عن الخلل في أنفسنا قبل أن نحمّله الآخرين، ومن هنا يمكن أن نقول إذا كانت هناك [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL" align="right">من رأي الشيخ محمد الغزالي رحمه الله أن ما أصاب الأمة الإسلامية من بلاء أو هزيمة ابتداء من هزيمة معركة أحد غالبا كان بسببها والمعنى واضح هو أنها السبب في كل ما يصيبها لتقصيرها، وأنا من المؤمنين بأن كل ما يصيبنا على المستوى الشخصي أو العام يجب أن نبحث عن الخلل في أنفسنا قبل أن نحمّله الآخرين، ومن هنا يمكن أن نقول إذا كانت هناك مؤامرات تحاك ضد الأمة العربية والإسلامية – وهي موجودة &#8211; ما كان لها أن تنجح لو لا أنها وجدت البيئة الصالحة للنجاح، ويمكن لنا أن نرى الأسباب</p>
<p dir="RTL">لقد حبا الله الأمة الإسلامية – والعرب في وسطها – خيرات كثيرة ابتداء من الموقع الجغرافي وليس انتهاء بالثروات الهائلة التي لو تم استغلالها الإستغلال الأمثل لجعلت من هذه الأمة أمة قائدة ورائدة للعالم في كل مجالات الحياة، وحتى الدين الإسلامي نفسه الذي يدعو إلى الرقي بالحضارة الإنسانية ويدعو إلى التسامح وهو من أجلّ نعم الله على هذه الأمة تم تشويهه من قبل المسلمين أنفسهم وأصبح مقرونا بكلمة الإرهاب، وأصبح هناك أكثر من إسلام لأن عقول المسلمين قررت أن تأخذ إجازة مفتوحة</p>
<p dir="RTL">والمتأمل في أوضاع الأوطان العربية لا يحتاج إلى كبير جهد أو عناء ليقرأ معاناة المواطنين اليومية، فرغم كل تلك الثروات إلا أن نسبة الفقر والجهل والمرض مرتفعة ومتفشية لأن الدول العربية تعيش على الهامش دون وجود تخطيط مسبق لليوم أو للغد طالما أن أنظمة الحكم مستقرة على الكراسي، إذ نتج  ذلك عن وجود أقلية مترفة مستفيدة من الأوضاع على حساب أغلبية فقيرة معدمة صامتة مقهورة، وأصبحت مجموعة من المتنفذين لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة تملك الأوطان بكل ما تحمل من خيرات، واختلط التجار بالسياسيين كما اختلط المال بالسياسة، وتم تشكيل لوبيات أقرب إلى المافيات مما أدى بالأوطان أن تكون مرهونة بيد هذه الشلة أو تلك لسنوات طويلة على حساب الفئة الغالبة من المواطنين، فتَحتَ مسميات كثيرة تم الإستيلاء على كل شيء في الأوطان، وبحجة تطوير السياحة تم منح الشواطيء كلها لهؤلاء وبدعم حكومي كامل وتم القضاء على مظاهر الطبيعة وأصبحت موارد الدولة مسخرة لهذه الفئة فقط، وتم بيع ثروات الوطن بالرخص من نفط وغاز ومعادن وغير ذلك، والأغرب والأمَرّ حتى الرمل والحصى لم يسلما من البيع والهدر، وظهر الفساد في البر والبحر وتم تجريف الأسماك التي كانت تعرف أنها وجبة الفقراء، وكأن النية مبيتة لمحاربة الفقراء حتى في لقمة عيشهم!. وصار المواطن العربي يسمع يوميا مناقصات تطرح بمليارات الدولارات في مشاريع أقرب أن تكون وهمية، فيما  الإعلامُ يعد الناس بفرص عمل لا تأتي</p>
<p dir="RTL">وتكاد الظروف في الوطن العربي كله تتشابه مع اختلافات بسيطة هنا وهناك حسب اختلاف البيئة واختلاف اللوبي أو المافيا</p>
<p dir="RTL"> وماذا كانت نتيجة كل ذلك ؟ لقد أدت سيطرة فئة صغيرة على مقدرات الشعوب والأوطان أن انتشر الجهل بين الناس وأصبح خريج الجامعة كأنه تلميذ في الإبتدائية بمستواه التحصيلي والثقافي الضعيف وارتفعت نسبة الجريمة وتغيرت أخلاق الناس وانتشرت الفواحش من زنا ولواط ورشاوي والسرقات، وصارت المادة هي الهدف الأساسي للناس، وعندما انبرى نفر من المخلصين للإصلاح تم الزج بهم في السجون بتهم مختلفة ومزورة، وفي عصر التكنولوجيا والاتصالات وهو عصر الحرية والكلمة الحرة والفضاء المفتوح تم التضييق على كل صاحب رأي لكي لا يقلق راحة الشلة المتنفذة والمستفيدة، حتى كان ما مكان</p>
<p dir="RTL">ولكن ما يؤسف له أنه في طول الوطن العربي وعرضه أن الأجهزة لم تقم بدورها لا الأمنية ولا البحثية ولا غيرها فلم تقدم الدراسات ولا المقترحات للحكومات ولم تقف ضد انتشار الفساد في كل المرافق الحياتية واليومية حتى انفجرت الأوضاع في كل مكان بل إن هذه الأجهزة ساهمت في تضليل الرأي للحكام بأن أظهرت أن الأمور على ما يرام وأن الشعب كله يسبح بحمده، فيما كان الهم الأساسي لهذه الأجهزة هو مراقبة هاتف فلان وفلان، وقد لحق الفساد حتى الأجهزة الأمنية نفسها &#8211; وهي التي يفترض أن تكون الحامية للوطن وللمواطنين – وكم من وقائع تم نشرها عبر وسائل الإعلام العربية عن فساد أجهزة الأمن والشرطة والجيش في قضايا التجسس لصالح دول مثل دول الجوار أو غيرها أو قضايا الخيانة والتخابر أو قضايا الإرتشاء وهتك الأعراض؟!</p>
<p dir="RTL">يصف د. أحمد صبحي منصور حالة الوطن العربي الحالية هذه ب &#8220;القرية الظالمة&#8221; حسب التعبير القرآني، ويرى أنه عندما ترفض القرية الظالمة الاصلاح وتطارد المصلحين فالهلاك على الأبواب، وهذا موجز ما جاء فى القرآن الكريم وهو ينطبق على كل زمان ومكان، إذ يقول الله في قاعدة إهلاك القرى الظالمة في تاريخ البشر: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) ثم يقول فى سريان هذه القاعدة فى تاريخ البشر قبل نزول القرآن : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا )، ولأن الظلم هو العملة السائدة فى تاريخ البشر إلى يوم القيامة فإن إهلاك &#8220;القرى الظالمة&#8221; مستمر الى يوم القيامة بعد نزول القرآن طالما يوجد منذرون وطالما يتم إضطهادهم</p>
<p dir="RTL">ويرى د. منصور في كتابه الجديد الذي ينشره في حلقات الآن تحت اسم &#8220;الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر&#8221; باب &#8221; تحذير من إهلاك قائم وإهلاك قادم&#8221; أن هذا يتحقق الآن فيما يعرف بالعالم الاسلامي، فكل دولة فيه هي قرية ظالمة، ولكن كان ينقصها وجود المنذرين فى القرون السابقة، وبما أن د. أحمد صبحي منصور رئيس ما يعرف بأهل القرآن فإنه يرى أن ظهور أهل القرآن منذرين من أكثر من 30 عاما يدعون المسلمين إلى الإصلاح السلمي بالقرآن بتطبيق حقائق الاسلام المهجورة فى الحرية الدينية والعدل والسلام والديمقراطية وحقوق الانسان، إلا أنه بوجود الظلم الموجه ضد أهل القرآن وهم الذين وصفهم بأنهم منذرون إكتملت ملامح القرية الظالمة المرشحة للهلاك طبقا لقوله جلّ وعلا : (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) القصص 59 ( وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ) الشعراء 208 : 209</p>
<p dir="RTL">ومن هنا يمكن أن نرى ما أصاب الأمة العربية في الحقب الماضية فمن زوال  الصومال وتفككها، ثم تفكيك السودان والعراق وليبيا وأفغانستان وما يجري في  سوريا الآن، وهناك إحتمال قوي بهلاك قادم لدول أو قرى ظالمة أخرى في الجزيرة العربية ومصر وشمال أفريقيا وباكستان، ولكن لا يزال أهل القرى في غفلتهم سادرين خصوصا الأغلبية الصامتة عن نصرة الحق، والصامتة عن مواجهة الباطل والظلم</p>
<p dir="RTL">وممّا يعجّل بالهلاك – حسب رأي د. منصور &#8211; قيام المترفين الحكام بتلميع جهلة الوعاظ ليكونوا أئمة الدعوة للدين الأرضي السائد، فأفسدوا أفئدة الأغلبية الصامتة، وأرضعوهم ثقافة العبيد والرضى بالظلم والصبر عليه، ودخلوا بهم في نفق الدين الأرضي وخرافاته وثقافته السمعية، وأصبح وعّاظ الدين الأرضي نجوم الإعلام وقادة التوجيه فى المساجد وعلى الانترنت والقنوات الفضائية، مما أعطى قوة للسلفيين والإخوان المسلمين حيث أصبح لهم نفوذ فى الشارع أسفر عن وصول الإخوان والسلفيين الى أعتاب السلطة في مصر وفي ليبيا وتونس، وهذا خلق مشكلة عويصة راهنة، فالثورة قام بها الشباب ليس للوصول للحكم ولكن للتغيير الى حكم ديمقراطي حقوقي، ولكن قفز عليها أئمة الأغلبية الصامتة من الإخوان والسلفيين، وأصبح الاختيار صعبا بين استبداد قائم يقاوم فى سبيل البقاء، واستبداد قادم يعدّ العدّة لدولة دينية مستبدة، تكون أسوأ من الاستبداد العادي</p>
<p dir="RTL">وإذا كان د. يرى أن وعاظ السلاطين شر فإن ما ينطبق على هؤلاء ينطبق أيضا على الإعلاميين والكتاب والصحفيين، ففئة منهم نافقت الحكام والحكومات وتغنوا بكل قرار تتخذه الحكومة حتى لو كان في هذا القرار ضرر للشعب أو حتى للحكام أنفسهم، والمثير أن أول تغيير يقع على الأرض فإن هؤلاء يغيرون مبادءهم وأفكارهم بسرعة مما يدل على أن هؤلاء هم الخطر الحقيقي على الحكام وعلى الأوطان</p>
<p dir="RTL">من حق د. أحمد صبحي منصور أن يمتدح جماعته &#8211; جماعة أهل القرآن &#8211; ولكن ليس معنى ذلك أن الكلام الذي ذكره في هذا الفصل من كتابه ليس واقعا أو حقيقة، فالأمة العربية تعيش على هامش التاريخ، وحتى إذا ما قررت أن تقوم من سباتها فإن ذلك يحتاج إلى فترة إعداد طويلة لسنوات بعيدة ووفق استراتيجية واضحة، ومتى ما وُجدت الإرادة ووُجد التخطيط السليم فإن النتائج حتما ستكون جيدة وإلا فإن الإهلاك قائم وقادم وهو عام سيصيب الكل صالحا كان أو طالحا  (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)</p>
<p dir="RTL">والعدل دائما هو أساس الملك وهو السبب الرئيسي لنجاة الأمة من أي فتنة، وقديما سأل والي الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز عن جبي الضرائب في اليمن حتى يعزز حصونه وبالتالي يقوي من حكم الخليفة فكان جواب عمر بن عبد العزيز رحمه الله  &#8221;حصّن ديارك بالعدل&#8221;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3656/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>2</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ناصر بن جاعد (8) &#8230; برميثيوس</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3650</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3650#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 17 Apr 2012 01:57:15 +0000</pubDate>
		<dc:creator>د. زكريا بن خليفة المحرمي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة وفكر]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3650</guid>
		<description><![CDATA[(كنت قبل وصولي هذا المقام في حال سلوكي وبدايتي طاهراً بكثرة الورع والمجاهدات والأخلاق) ناصر بن جاعد تنقسم الدراسات الفلسفية التقليدية إلى ثلاثة أفرع، المعرفة (الإبستومولوجيا) وهي تشتغل بالمنهج النظري أو التجريبي. الوجود (الانطولوجيا) وتشتغل بقضايا الإلوهية والمبدأ والمعاد. القيمة (الإكسيمولوجيا) التي تضم فلسفة الأخلاق. يُعرّف عالم الاجتماع الإنجليزي أنتوني جيدنز الأخلاق بأنها: &#8220;منظومة الأفكار التي تحدد ما هو مهم ومحبذ ومرغوب في المجتمع، وتعطي [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL"><em>(كنت قبل وصولي هذا المقام في حال سلوكي وبدايتي طاهراً بكثرة الورع والمجاهدات والأخلاق) ناصر بن جاعد</em></p>
<p dir="RTL">تنقسم الدراسات الفلسفية التقليدية إلى ثلاثة أفرع، المعرفة (الإبستومولوجيا) وهي تشتغل بالمنهج النظري أو التجريبي. الوجود (الانطولوجيا) وتشتغل بقضايا الإلوهية والمبدأ والمعاد. القيمة (الإكسيمولوجيا) التي تضم فلسفة الأخلاق.</p>
<p dir="RTL">يُعرّف عالم الاجتماع الإنجليزي أنتوني جيدنز الأخلاق بأنها: &#8220;منظومة الأفكار التي تحدد ما هو مهم ومحبذ ومرغوب في المجتمع، وتعطي مؤشرات إرشادية لتوجيه تفاعل البشر مع العالم الاجتماعي&#8221;. وهو تعريف يقترب من التعريف الذي أشار إليه الجرجاني حين قال: (الخُلُق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية).</p>
<p dir="RTL">وفي حين مارس قدماء العرب الأخلاق فطرة وبصورة تلقائية كما يعبر الجرجاني، غاص الإغريق في تحليل أصل الأخلاق، وبحث غاياتها، ودراسة تحولها وثباتها. ويلخص ثيوكاريس كيسيديس جهودهم بالقول أن الإغريق كانوا يربطون الأخلاق بغاياتها، وأنهم يحتفون بالأسباب المنتجة لتلك الأخلاق أكثر من عنايتهم بنتائجها.</p>
<p dir="RTL">أما فيما يتعلق بالثابت والمتحول في الأخلاق فقد اختار أرسطو عميد العقلانية الإغريقية نسبية الأخلاق وإمكانية تحولها قائلاً: (إن الأخلاق كلها عادات تتغير، وأنه ليس شيء منها بالطبع، وأن الإنسان يمكنه أن ينتقل من كل واحد منها إلى غيره بالاعتياد والدربة).</p>
<p dir="RTL">لقد كان الجدل حول فلسفة الأخلاق واقعا في صميم الحراك الفكري الذي شهده عصر التنوير وما تلاه، وقد تعددت المذاهب الأخلاقية منذ ذلك العصر وإلى اليوم بحسب الانتماءات الفكرية لكل فيلسوف، حيث ذهب إمانويل كانط إلى تفسير الأخلاق منطقيا، وجعل المبادئ العامة محدداً لصوابية أي مبدأ أخلاقي جزئي، بينما ذهب الفيلسوف البريطاني جيرمي بينثام إلى اعتماد النفعية بما يتحصل من فرح وسعادة كأساس للأخلاق.</p>
<p dir="RTL">لم يخرج كارل ماركس في رؤيته الأخلاقية عن فلسفته الاقتصادية حيث اعتبر الأخلاق جزء من أيديولوجيا الطبقة البرجوازية القائمة على استغلال الطبقات الكادحة، وقد وافق نيتشه ماركس في طبقية الأخلاق، ودعى إلى وجوب استقلال الإنسان أخلاقيا وصناعة كل فرد قيَمه بنفسه بعيدا عن وصاية المجتمع. أما سارتر فقد عرّف الأخلاق بأنها مجموعة الأحكام الضرورية لتجعل من الفرد شخصا ذا مصداقية.</p>
<p dir="RTL">لقد كان موضوع أصل الأخلاق محلّ جدل بين الفلاسفة ورجال الدين، حيث ذهب الفريق الأول إلى أن الأخلاق نتاج طبيعي للاجتماع البشري، في حين ذهب رجال الدين إلى أنها معطى إلهي توارثه البشر عن أبيهم آدم، وجاءت رسالات الأنبياء مؤكدة عليها.</p>
<p dir="RTL">ولأن الفلاسفة الأمريكان يتميزون بحس ديني عال نقل عنهم روجر جونز رفضهم الصارم إقحام الفلسفة في تحديد ماهية الأخلاق، وحصرهم دورها في تحليل كيفية استخدام الأخلاق.</p>
<p dir="RTL">ومن بين أبرز الآراء الفلسفية لأصل الأخلاق الرأي الذي اعتمده سقراط والقاضي بإرجاع الأخلاق إلى العلم والمعرفة، قائلاً: (المعرفة شيء جميل جدير بتوجيه الإنسان، وأنه لو امتلك إنسان ما معرفة الخير والشر، فلا شيء يجبره على القيام بعمل آخر غير ما تأمره به هذه المعرفة). ورأي سقراط ينبع من تقديره للعلم الذي يجعله أساسا للخير والفضيلة، وتطيره من الجهل الذي يعتبره أساساً للفساد والرذيلة.</p>
<p dir="RTL">بيد أن هذا الرأي الموجَه تربويا، اعترض عليه الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوا معتبرا أن المتعة واللذة يمكن أن يكون تأثيرهما أكبر من تأثير المعرفة، فهو يقول: (الرغبة التي تتولد عن معرفة الخير والشر على اعتبار أن هذه المعرفة تتعلق بالمستقبل إنما يسهل أن تعوقها أو تخمدها الرغبة في الأشياء التي هي ممتعة حاليا).</p>
<p dir="RTL">وذهب سقراط أيضاً إلى أن الإنسان العاقل العالم لا يمكن أن يفعل الشر، وأن كل شر يقوم به إنما يفعله لا إراديا، فيقول: (بالنسبة لي، أنا واثق من أنه ليس بين الناس العاقلين من يعتقد أن إنسانا يخطئ إرادياً أو يقوم إرادياً بأعمال سيئة مخزية، إنهم على العكس يعرفون أن جميع أولئك الذين يرتكبون أعمالا سيئة ومخزية يرتكبونها لا إرادياً). وقد انتقد أرسطو هذا الرأي متهما إياه بالجبرية ومصادرة حرية الإنسان ذلك أن الإنسان بحسب أرسطو هو (الأصل وهو الخالق لأعماله)، وهذا القول مطابق تماما لرأي المعتزلة في التراث الإسلامي.</p>
<p dir="RTL">لا يخلو العرض والنقاش أعلاه من رتابة مدرسية غير قادرة على إغراء مزيد من القراء للولوج في رده الشقشات الفلسفية، ونحن قد تعودنا من ناصر بن جاعد تعاطيا استثنائيا مع القضايا الاعتيادية، فهل مارس بن جاعد استثنائيته في التعاطي مع الفلسفة الأخلاقية؟</p>
<p dir="RTL">قررنا سلفا أن سقرط اعتمد العلم والمعرفة أساسا للأخلاق، كما ذكرنا أنه يرى لا إرادية فعل الشر، في البدء سنجد أن ناصر بن جاعد يبتعد عن رأي سقراط بمقدار حين يأخذ برأي سبينوزا الغائص في الأغوار البعيدة للنفس البشرية، والذي يقرر أن المعرفة ليست هي المحدد للأخلاق والفضيلة، فيقول: (لا يوجب أن ظهور معصيته من قلة ما جعل له من العقل، لأن كثيرا ممن جعل له عقلا وعلما، عصى الله تعالى، وكثيرا من هو دونه عقلا أطاع الله تعالى). كما نجد ناصر بن جاعد مبتعدا عن قول سقراط ومقتربا من قول أرسطو والمعتزلة حول لا إرداية فعل الشر، فيقول معتبراً المعاصي جزء من مسؤولية الفرد: (لتعلم العقول أن كل نفس تعصي باختيارها وتطيع باختيارها).</p>
<p dir="RTL">لكنه ما يلبث أن يعود إلى سقراط بسرعة تضرم النار في فكر الأمة المتجمد، وتثير الزوابع والفيضانات في فكرها المتبلد، نتيجة اعتقادها بالجبر واستسلامها لسلطان القهر، وأن الأمور تسيرها المقادير، وما على الإنسان سوى التسليم والتقرير، فتلهب ذلك الفكر حماسا، وتمده بدفق الثورة ضد استبداد الجهل المقدس القائم على التقليد والجبر.</p>
<p dir="RTL">يفجر ناصر بن جاعد الأحجار المعيقة لفيضان العقل المسلم حين يقول مرتقيا بالإنسان عندما يمتلك ناصية العلم إلى درجة تجعله في مكانته الحقيقية في هذا الكون سيدا ومالكا: (فالله مالك الملك، وأنت مالك الملك، وأنت مالك الملك إن اتصفت بصفاته ملكت الملك بالعلم).</p>
<p dir="RTL">إن هذا التقدير للإنسان وتحطيم الفواصل اللاهوتية المصطنعة والتي كبلت المسلمين في عصور الانحطاط، يوازي ما جاء في الميثولوجيا الإغريقية عن برميثيوس الذي تحدى الإله اليوناني زيوس، فاختطف منه النار وجاء بها إلى البشر، لكن ناصر بن جاعد ليس يونانيا متمردا،وإنما هو حبر عماني مسالم يوري بفهمه العميق لكتاب الله نورا يضيء به طريق السالكين.</p>
<p dir="RTL">
<p dir="RTL"><span style="color: #ff0000;"> <strong>ملاحظة: ينشر بالتزامن مع ملحق شرفات الثقافي بجريدة عمان.</strong></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3650/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>تأملات علمية:  نحن ثلاثة رابعنا جمل!</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3646</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3646#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 15 Apr 2012 07:01:57 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد عبدالله العليان</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة وفكر]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3646</guid>
		<description><![CDATA[المقصود بالجمل هو كاتب هذه السطور! و قصة ذلك أنني عام 1988 رافقت كمترجم فريقا من الخبراء البريطانيين عهد إليهم وضع خطة تنمية ظفار 2020 . في رحلة الى الجازر كنت برفقة ثلاثة منهم أحدهم خبير في البيئة البحرية فلما توقفنا عند محطة الوقود في ثمريت تناهى إلى سمعي قوله لزميليه نحن ثلاثة رابعنا جمل.و تناهى الى سمعي تثريب رفيق له اعترض على هذا الوصف [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<div id="attachment_3648" class="wp-caption alignleft" style="width: 193px"><a href="http://alfalq.com/wp-content/uploads/2012/04/jpg1"><img class="size-medium wp-image-3648" title="____ ____ ___ _____" src="http://alfalq.com/wp-content/uploads/2012/04/jpg1-183x300.jpg" alt="" width="183" height="300" /></a><p class="wp-caption-text">كتابه Reel Bad Arabs لجاك شاهين</p></div>
<p dir="RTL">المقصود بالجمل هو كاتب هذه السطور! و قصة ذلك أنني عام 1988 رافقت كمترجم فريقا من الخبراء البريطانيين عهد إليهم وضع خطة تنمية ظفار 2020 . في رحلة الى الجازر كنت برفقة ثلاثة منهم أحدهم خبير في البيئة البحرية فلما توقفنا عند محطة الوقود في ثمريت تناهى إلى سمعي قوله لزميليه نحن ثلاثة رابعنا جمل.و تناهى الى سمعي تثريب رفيق له اعترض على هذا الوصف الذي قصد به الحط من القدر. و لقد جمعتني بهذا الدكتور المعترض صداقة طويلة فيما بعد إذ بدا شخصا تحرر من التحيزات العمياء خاصة الأفكار المقولبة في الغرب تجاه العرب التي روجت لها وسائل الإعلام و سينما هوليود. إذ يذكر أستاذ الإعلام الأمريكي العربي الأصل جاك شاهين في كتابه <em>Reel Bad Arabs</em> ، عرب السينما الأشرار ، انه من أصل 820 فيلما أنتجتها هوليود و يظهر فيها عرب ثلاثة منها فقط، نعم ثلاثة فقط، يظهر فيها العربي في صورة ايجابية. طبعا الجمل كان دائما حاضرا كرمز سلبي.</p>
<p dir="RTL">بيد ان الجمل لمن يعرفه مخلوق جدير بحنا و احترامنا.و هو آية وجهنا الله الى تأملها: &#8220;أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت&#8221; (الغاشية: 17).و من آخر ما اكتشفه العلماء عن الإبل ان أجسامها المناعية أو الأجسام المضادة تتألف من سلسلتين طويلتين بدون السلستين الخفيفتين الأخريين اللتين تكونان في الحيوان الثديية الأخرى. هذا التكوين يجعل أجسام الإبل المناعية مقارنة مع أجسام الإنسان و الحيوانات الأخرى صغيرة صغرا يسمح بدخولها الخلايا مما يفتح آفاق تسخيرها لمكافحة الخلايا السرطانية المستعصية و الجراثيم المقاومة للعلاجات. بل ان دراسة أجريت عام 2005 أظهرت نفع خلايا الجمل المناعية هذه في الوقاية من بعض السرطانات.</p>
<p dir="RTL">ان الذين ينظرون في خلق الإبل كشفوا عن آليات للتكيف مع التجفاف و البيئة الصحراوية. فهناك آلية هيدروسكوبية في منخر الجمل حيث تحجز الأغشية المخاطية نسبة كبيرة من الماء الموجود في هواء الزفير فترده مرة أخرى الى الجسم. و تخفض هذه الآلية الماء المفقود عن طريق عملية التنفس. و عالم الأحياء الأمريكي نت شميدت نيلسن الذي وضع مذكراته في كتاب اسماه ( أنف الجمل مذكرات عالم فضولي) هو من اكتشف هذه الآلية. و لا تحدث هذه العملية إلا في حالة إصابة الجمل بالتجفاف و عندما يكون الهواء الخارجي جافا. و مثال هذه الآلية قطعة البسكويت تكون في الهواء الرطب فتصير رطبة بسبب التشبع بالماء الذي في الهواء. و يستخرج الجمل الماء الذي في الروث قبل طرحه الى حد انه يمكن استخدام البعر فورا كوقود. كما تركز كلى الجمل البول فتخفض فاقد الماء إذ تبلغ ملوحة بول الإبل ضعف ملوحة ماء البحر.</p>
<p dir="RTL">أما تحمله للتجفاف فقد يفقد الجمل 40% من ماء دمه دون ان يتضرر في حين يموت الإنسان إذا فقد 12% من ماء جسمه.و خلاف كل الثدييات الأخرى فان شكل خلايا دم الجمل الحمراء بيضاوي و ليس كرويا الأمر الذي يسمح بجريانها في الدم في حالة التجفاف الشديد كما تتحمل هذه الخلايا البيضاوية مص كميات كبيرة من الماء في شربة واحدة بدون ان تنفجر إذ يستطيع الجمل شرب كمية كبيرة من الماء في شربة واحدة للتعويض عما فقده من سوائل. فهو يستطيع شرب 30 جالونا في عشر دقائق. و هذه الكمية تؤدي الى موت الحيوانات الأخرى بسبب التسمم المائي. و السبب ان كرياته البيضاوية تنتفخ الى 240% من حجمها الأصلي بدون ان تنفجر. و الحيوانات الأخرى تنتفخ الى 150% فقط. و لا توجد خلايا دم حمراء بيضاوية الشكل في أي مخلوق ثديي إلا في الجمل. و التسمم المائي هو زيادة كمية الماء في الدم بحيث تؤدي الى خلل في مستويات النواقل الكهروكيمايوية مثل الصوديوم. و يؤدي هذا الى اضطراب دقات القلب و دخول السوائل الى الرئة و انتفاخ الدماغ محدثة حالة مثل حالة السكر و في الحالات الشديدة الصرع فالموت. فضلا عن ذلك يستطيع الجمل شرب الماء المالح و المياه الأخرى التي لا تستسيغها الحيوانات الأخرى.</p>
<p dir="RTL">أما تكيفه مع البيئة الصحراوية فيظهر في عديد الآليات. إذ يستطيع الجمل رفع حرارة جسمه الى درجة 42 و يبدأ في التعرق إذا زادت حرارة الجو على هذا الحد. و كان نت شميدت نيلسن أيضا أول من اكتشف هذه الآلية و غدد العرق في الجمل. و ليس هناك حيوان ثديي آخر يستطيع السماح بارتفاع درجة حرارة جسمه ست درجات مئوية .</p>
<p dir="RTL">و من الآليات المدهشة في الجمل هو السنام الذي يشكل خمس حجم جسم الجمل و هو مخزون من الدهون أو الأنسجة الدهنية. و تركيز الدهون في السنام يقلل من البطانة الحابسة للحرارة في بقية جسم الجمل و هو ما يشير الى تكيف مقصود للعيش في المناخات الحارة. و عند تأيض هذا النسيج الدهني فإنه يصبح مصدرا للطاقة حيث ينتج جراما واحدا من الدهن عبر التفاعل مع الأكسيجين جراما واحدا من الماء. و يستوعب السنام في الظروف العادية 30-50  كيلوجراما من الدهن و لكن في الظروف القاسية لا يستوعب سوى كيلوجرامين اثنين و بإمكان الجمل ان يعيش بهذه الكمية من الدهون مدة 30 يوما. و الجمل أفضل المخلوقات العاشبة في كفاءة استخلاص البروتين و الطاقة من الأعلاف رديئة الجودة. و له فم كبير به 34 ضرسا قاطعا بطانته جلد سميك يسمح بأكل النباتات الشوكية بدون ان يتضرر باطن الفم. و يغطي انفه شعر صلب يحول بينه و بين وخز الأشواك.</p>
<p dir="RTL">للجمل خفان في كل قدم و هي كبيرة بالمقارنة مع بقية الحيوانات. و تحت كل خف بطانة جلدية مسطحة و هذا يساعد الجمل على المشي على الرمال دون ان تغوص فيها أقدامه. و أما الجلد الموجود في أسفل البطانة فسميك جدا يقي الجمل حرارة الرمل. و لعيني الجمل رموش تدخل الواحدة في الأخرى وبيهذا يستطيع ان يحمي عينيه من الرمال المحمولة في الهواء و في هذه الحالات يستطيع ان يغلق انفه لكي لا تتسرب الى داخله الرمال.و الى جانب هذا فان كل عين فيها جفن ثالث رقيق جدا و شفاف يتحرك من الجانب الى الجانب فيعمل مثل المساحة بحيث يمسح أي رمل عالق على سطح العين. كما يمكن للجمل ان يغلقه لحماية العين فيستطيع الرؤية من خلاله.</p>
<p dir="RTL">المستقبل للجمل و ليس للسخرية و الازدراء . ففي الولايات المتحدة نفسها عقر دار هوليود توشك إدارة الدواء و الغذاء الفيدرالية على اصدرا الإذن بتسويق ألبان الإبل تجاريا و عبر حدود الولايات و ذلك بعد تزايد أعداد المربين في الولايات المتحدة و تزايد الطلب على اللبن لأغراض صحية. فقد كشفت الدراسات عن ان له خصائص مضادة للبكتيريا و الفيروسات. و انه مفيد لخفض السكر عند مرضى السكري (توجد 52 وحدة أنسولين في كل نصف لتر من الحليب) و لعلاج مرض كرون (تقرح القولون) و التوحد (مرض مناعي يصيب الأطفال) و سرطان الكبد و التهاب الكبد الوبائي و سرطان الثدي و حساسية الطعام. و حليب الإبل غني بالحديد و فيتامين ب و فيه من فيتامين ج ثلاثة أضعاف حليب البقر. و هو غني بالأملاح و البروتينات و الأجسام المضادة مما يجعله غذاء كاملا.و لقد تم اكتشاف منافع لبول الإبل كذلك. فقد أظهرت الدراسات التي أجريت في بلجيكا و المملكة العربية السعودية ان الجسيمات النانوية في أبوالها واعدة لعلاج سرطانات القولون و الرئة و الدم و البنكرياس و المعدة و الدماغ. كما كشفت الدراسات ان الأجسام المضادة المستخرجة من البول تقوي عضلة القلب.</p>
<div>
<p dir="RTL">أخيرا ما زلت اذكر رحلة من طاقة الى صلاله  على ظهر جمل قبل النهضة المباركة ربما في عام 1965 حيث استأجر والدي رحمة الله ثلاثة جمال نركبها و كنت أنا و جدي رحمه الله على أحدها. رحلتنا الى صلاله كانت ليلا و خلا الجو من كل صوت إلا صوت أطيط الرحال تحفنا السكينة و روائح الليل. لقد كانت خبرة نفسيه نتطبع في الذهن فلا تنسى شبيهة بالخبرة الروحية. فلا غرو فعلى ظهور الإبل انتشر دين السعادة الروحية، الإسلام.</p>
<p dir="RTL"><span style="color: #ff0000;"> <strong>ملاحظة: ينشر بالتزامن مع ملحق أشرعة بجريدة الوطن.</strong></span></p>
</div>
<p dir="RTL">* إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3646/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ناصر بن جاعد (7) &#8230; خواطر اللاشعور</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3637</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3637#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 10 Apr 2012 02:16:27 +0000</pubDate>
		<dc:creator>د. زكريا بن خليفة المحرمي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة وفكر]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3637</guid>
		<description><![CDATA[&#8220;ومرادنا بالرؤية هي قوة حضور العقل مع الله ومشاهدته بصفاته&#8221; ناصر بن جاعد. في خلاصة دراسته حول التصوف الإسلامي ذهب محمد عابد الجابري إلى أن التصوف يعاني من إشكالات ثلاث تكون مجتمعة متلازمة &#8220;العقل المستقيل&#8221;. الإشكال الأول يكمن في التأويل الباطني الغنوصي للنصوص، وقد تطرقنا إليه في حلقة ماضية، أما الإشكالان الثاني والثالث فيتلخصان في النظرة السحرية للعالم القائمة على ما يعرف بعلم &#8220;الكشف&#8221; أو [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;" dir="RTL"><em>&#8220;ومرادنا بالرؤية هي قوة حضور العقل مع الله ومشاهدته بصفاته&#8221; ناصر بن جاعد.</em></p>
<p style="text-align: right;" dir="RTL">في خلاصة دراسته حول التصوف الإسلامي ذهب محمد عابد الجابري إلى أن التصوف يعاني من إشكالات ثلاث تكون مجتمعة متلازمة &#8220;العقل المستقيل&#8221;. الإشكال الأول يكمن في التأويل الباطني الغنوصي للنصوص، وقد تطرقنا إليه في حلقة ماضية، أما الإشكالان الثاني والثالث فيتلخصان في النظرة السحرية للعالم القائمة على ما يعرف بعلم &#8220;الكشف&#8221; أو &#8220;الإلهام&#8221;.</p>
<p dir="RTL">هذا الكشف يجعل المتصوف قادرا على التصرف في الكون من خلال معرفة خاصة بالأسرار الموجودات، وهذا المفهوم &#8220;المستقيل&#8221; لعلم &#8220;الكشف وما يرتبط به من قوى سحرية لا يقول به غلاة الصوفية فحسب، بل وتروجه حتى الشخصيات التي عُدت نموذجا للعقلانية الإسلامية،فابن خلدون على جلالة قدره وهو مؤسس علم الاجتماع، يقول في مقدمته: (وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة، فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم، وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها، ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية وتصير طوع إرادتهم).</p>
<p dir="RTL">لم يقع ناصر بن جاعد فريسة لسحر المفهوم الغنوصي لـ &#8220;الكشف&#8221; الذي ساخت فيه أقدام ابن خلدون، بل اعتبر الكشف مقيدا بتجلي صفات الله في قلب المجتهدين بالعبادة، حيث يقول: (هو أن تعلم أن التجلي الإلهي هو ظهور معرفته، والمتجلَّى عليه بها هو العالم بمعرفة الله تعالى)، وقال أيضاً: (وينكشف بسرّه حقائق الموجودات فتتجلى له الحضرات الإلهية فيها، ويرى ما يدهش عقله لا محالة).</p>
<p dir="RTL">لقد حاول الفلاسفة منذ القدم تقديم تفسير علمي لظاهرة &#8220;الكشف&#8221;، وكانت البداية مع أرسطو الذي اعتبر أن الكشف الذي يزعمه الفيثاغوريون ليس سوى تطبيق لمنهج &#8220;المماثلة&#8221; بين الصور والأشكال ذات الصبغة الرمزية السرية. التفسير ذاته اعتمده الجابري في تفسيره ظاهرة &#8220;الكشف&#8221; الصوفي، وأن المتصوفة يقومون بهذه العملية من خلال فعل العادة الذهنية غير المراقبة. بمعنى آخر إنها فعالية عقلية لا شعورية.</p>
<p dir="RTL">فما هي  الفعالية العقلية اللاشعورية وما علاقتها بالكشف والإلهام؟</p>
<p dir="RTL">طوال التاريخ الفلسفي لم يتم التعامل مع العقل إلا من خلال كونه آلة مفكرة ترتكز على مدخلات الحواس، في المقابل كانت الديانات الوثنية والحركات الهرمسية الغنوصية تطرح مفهوما مواز للعقل الحسي قائم على قوى باطنية، وتصورات روحانية ماورائية تقدس المعارف الوجدانية وتبخس المعارف الحسية التجريبية.</p>
<p dir="RTL">في القرن الثامن عشر طرح الفيلسوف الألماني فريدرك شلنج مصطلح &#8220;اللاشعور&#8221; الذي لم يحضى بالاهتمام والقبول والانتشار إلا في بدايات القرن العشرين حين استشعر طبيب الأعصاب النمساوي سجمويند فرويد الشحنات الرومانسية التي يتضمنها المصطلح، فأسس عليه علم النفسي التحليلي.</p>
<p dir="RTL">قطعا لم تكن مسيرة فرويد في ترسيخ مفهوم &#8220;اللاشعور&#8221; مفروشة بالورود، بل واجه كأي مبدع الكثير من الاعتراضات والرفض، لهذا نجده يقول في كتابه &#8220;النظرية العامة للأمراض العصابية&#8221;: (سنكتفي بأن نهز كتفينا ردا على اعتراض من يعترض علينا بأن اللاشعور ليس له من وجود بالمعنى العلمي للكلمة، وأنه لا يعدو أن يكون باباً للنجاة وصورة مجازية للكلام. والحق أن هذا الاعتراض ينقض نفسه بنفسه).</p>
<p dir="RTL">ومع كثرة الجدل الذي أحدثته نظريات فرويد في التحليل النفسي خاصة تلك القائمة على الكبت الجنسي إلا أن مفهوم &#8220;اللاشعور&#8221; ظل بريقه يتلألأ جاذبا إليه كثير من المريدين، بل قد انشغل كثيرا من الباحثين في محاولة إثباته تجريبيا.</p>
<p dir="RTL">ففي عام 2004م أجرت جامعة كولومبيا الأمريكية بحثا علميا يقوم على تمرير مجموعة من الصور المرعبة أمام مجموعة من المتطوعين بسرعة هائلة لا يستطيع الوعي إدراكها عادة، ولكنها كانت قادرة على إحداث تغيرات كيميائية في الدماغ مشابهة للتأثير الذي تحدثه حين يدركها العقل الواعي حسبما أوضحته مجسات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، وعلى أثرها قال رئيس فريق البحث البروفسور جوي هرش: (نتائجنا توضح الأسس البيولوجية ليقظة اللاشعور).</p>
<p dir="RTL">لم يدخل مفهوم &#8220;اللاشعور&#8221; الثقافة العربية إلا متأخراً، ولعل عالم الاجتماع العراقي علي الوردي هو أول عربي اشتغل به دراسة وتحريرا، وقد كان كتابه &#8220;خوارق اللاشعور&#8221; خارقاً من حيث جودة مادته وسهولة لغته، لولا ما شابه من بقايا ثقافة الوردي التي تعد الخوارق أحد عناصر بقائها واستمراريتها، فلهذا تضمن الكتاب خلطا &#8220;لاشعوريا&#8221; بين &#8220;اللاشعور&#8221; بالمعنى النفسي السايكولوجي الذي كتب عنه فرويد وبين القوى النفسية بالمعنى الباطني الباراسيكولوجي التي يتعاطها الكهنة والسحرة والمشعوذون، فلهذا سمى الوردي كتابه بـ&#8221;خوارق&#8221; اللاشعور.</p>
<p dir="RTL">أما ناصر بن جاعد فقد كانت له رؤية أبعد من رؤية الوردي عالم الاجتماع المعاصر، رؤية تقترب جداً إن لم تكن تتطابق –وهي كذلك- مع رؤية فرويد، فهو ينص على أن العقل يعمل من خلال آلات الحسّ &#8220;الشعور&#8221;، ومن خلال الخواطر التي تأتي من الأغوار البعيدة للعقل، وهي التي يصفها بالإلهام وبالآلات الباطنة، يقول ناصر بن جاعد: (ولكن العقل لا يعقل إلا بالآلات هي الخواطر الإلهامية وهي الآلات الباطنة ومنها الخيالات، والآلات الظاهرة وهي الحواس الخمس التي هي الشم والذوق والسمع والبصر واللمس وكل شيء من هذه آلة له، تدرك بها المحسوسات، ولا يدركها غيرها بغيرها، والسادسة الخواطر التي تخطر عليه).</p>
<p dir="RTL">ويؤكد ناصر بن جاعد على أن الإلهام الذي يقصده ليس انطباعا ما ورائيا تنسج خيوطه في العقل قوى خفية، وإنما هو نتاج لحركة العقل وفاعليته غير المدرَكة، حيث يقول: (كذلك إلهام العلماء وما يخرجونه بالعقل من الحق الصحيح هو عن الله تعالى).</p>
<p dir="RTL">بل يذهب إلى ما هو أكثر وضوحا وجلاء من ذلك بالقول أن الإلهام ليس سوى حضور المعارف البديهية التي تعتبر أصل المعرفة وأساسها، حيث يقول: (ما أبدت إليك الحضرة الإلهية بوحي البديهة: أي الإلهام مما يقربك إليها بالأصول الصحيحة التي هي تحبها منك)</p>
<p dir="RTL">إن هذه النصوص الفريدة والتي تصف الإلهام بأنه خواطر عقلية لا شعورية ناتجة من ممارسات عقلية غير مدرَكة تستدعي البديهيات المعرفية تعيد صياغة معارفنا حول مفهوم &#8220;الإلهام&#8221; الغنوصي الذي ينسبه ماسينون  إلى غلاة التصوف الإسلامي كالحلاج وابن سبعين الأندلسي، ويحيله هنري كوربان إلى السهروردي وابن عربي.</p>
<p dir="RTL">ومن الجدير بالذكر أن ناصر بن جاعد قد انتبه إلى الفرق بين الإلهام بالمعنى اللاشعوري الفرويدي ، وبين الإلهام بالمعنى الباطني الغنوصي، فهو يقول: (فانظر إلى علم الإلهام الذي لم يصل إلى النفس بالحواس، ولا بالقياس إلى ما وصل بالحواس، فإنه هو من عالم الغيب، والمراد من عالم الغيب المتجلي به الله تعالى، لا الغيب الذي لا يتجلى به، فإن الغيب له معان، وقال الله تعالى {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}، ويريد بذلك كل ما غاب عنهم وسمعوا به كالحساب والنار والكتب والملائكة وأخبار الله، وهي محققة في العقول، ومع تحققها أسماها الله تعالى بالغيب. ومع أهل هذا العلم في اصطلاحهم عالم الغيب هو العلم الذي تنظره الروح، ويصل إليها من الله تعالى من غير جهة المحسوسات بالحواس، فافهم ذلك).</p>
<p dir="RTL">إن تفريق ناصر بن جاعد بين مفهوم عالم الغيب المتحقق في العقول، والثابت من المنقول، وبين عالم الغيب الروحاني ذي الطبيعة الهرمسية التي يقول بها الغنوصيون، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن التصوف الذي يتحدث عنه ناصر بن جاعد ليس مجرد سلوك وجداني خال من أوضار الهرمسية وأوزار الغنوصية، بل هو أيضا وبالضد من جميع أنواع التصوف السائدة ممارسة عقلية واعية تعتمد العقل بوصلة حتى في أقصى حالات هيجان العاطفة، وانسراب خواطر اللاشعور.</p>
<p dir="RTL">
<p dir="RTL"><span style="color: #ff0000;"><strong>ملاحظة: ينشر بالتزامن مع ملحق شرفات الثقافي بجريدة عمان.</strong></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3637/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>بناء الإنسان قبل العمران</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3631</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3631#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 07 Apr 2012 05:49:47 +0000</pubDate>
		<dc:creator>زاهر بن حارث المحروقي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3631</guid>
		<description><![CDATA[منذ نعومة أظفارنا ونحن نسمع شعار &#8220;الإنسان هدف التنمية ووسيلتها&#8221;، وقد رافقنا هذا الشعار طوال حياتنا، والواقع يثبت فعلا أن الإنسان هو وسيلة التنمية أما عن كون أنه الهدف فالمسألة فيها نظر وتختلف من دولة إلى أخرى ونحن في السلطنة عشنا فترة النهضة التي عمت الكثير من القطاعات منها الإنسان العماني نفسه ولكن هل فعلا أن بناء الإنسان العماني سار جنبا إلى جنب مع بناء [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL" align="right">منذ نعومة أظفارنا ونحن نسمع شعار &#8220;الإنسان هدف التنمية ووسيلتها&#8221;، وقد رافقنا هذا الشعار طوال حياتنا، والواقع يثبت فعلا أن الإنسان هو وسيلة التنمية أما عن كون أنه الهدف فالمسألة فيها نظر وتختلف من دولة إلى أخرى</p>
<p dir="RTL">ونحن في السلطنة عشنا فترة النهضة التي عمت الكثير من القطاعات منها الإنسان العماني نفسه ولكن هل فعلا أن بناء الإنسان العماني سار جنبا إلى جنب مع بناء الجسور والعمارات؟  للإجابة عن ذلك نقول : صحيح إن الإنسان العماني نال تعليما منذ بداية عصر النهضة الحديثة وربما يكون هذا هو الإنجاز الأكبر – بغض النظر عن نوعية التعليم وكيفيته – إلا أني أرى أن ما ناله الإنسان العماني في سبيل بنائه لا يرقى إلى المستوى المطلوب أو المأمول، لأننا ببساطة من غير الدخول في الفلسفات أو المطولات الكلامية يمكن أن نتساءل أين الإنسان العماني في المحافل العالمية؟ ولماذا لم نسمع – الا فيما ندر &#8211; عن عماني يشار إليه بالبنان؟، ولماذا غاب الإنسان العماني ذكرا أو أنثى عن الجوائز الإقليمية والعربية والدولية إلا ما ندر؟ وما الذي ينقصه لتحقيقه ذلك؟ ولماذا لا نرى الإنسان العماني في الفضائيات العربية والعالمية؟</p>
<p dir="RTL">إن المتتبع لسيرة العمانيين عبر التاريخ يجد نماذج كبيرة ومشرفة في المجالات كافة السياسية والأدبية والدينية والثقافية، ويجد صفحات ناصعة من النبوغ في كل هذه المجالات في وقت كان غيرنا في سبات عميق.! فالعمانيون كانوا السباقين والرواد في التدوين والتأليف والسياسة والسفر بل إن الكثيرين منهم نالوا الشهادات العليا في العصور المتأخرة قبل أن يرى غيرهم النور ويعلم ما معنى مدرسة نظامية وكان منهم الرواد في كثير من الأمور، ويكفي أن يكون العمانيون هم من أوائل من أسس مطبعة تطبع الكتب وهي المكتبة السلطانية في زنجبار وأصدروا صحفا ومجلات وأقاموا العلاقات مع دول العالم المختلفة وبعثوا المبعوثين والرسل إلى القارات المختلفة، أليس من المؤسف أن يذهب كل ذلك سدى؟</p>
<p dir="RTL">لقد تضافرت العديد من الأمور لتقزيم الإنسان العماني منها الإنعزال عن العالم لفترة طويلة ومنها المأساة التي وقعت على الدولة العمانية في شرق أفريقيا التي منها انطلق الرواد الأوائل خاصة في مجال العلوم الحديثة والدراسات العليا ثم إن وجود المذهب الإباضي في عمان ربما جعل العزلة تزيد إذ أن الكثيرين متأثرون بالروايات التاريخية التي تربطه بالخوارج، ولكن يجب أن لا تكون هذه مبررات تقف حائلا دون انطلاق العماني لأن الأوضاع الآن قد تغيرت</p>
<p dir="RTL">وبإمكان شخص ما أن يكون خير سفير لبلاده عندما ينجح في مجال مّا ولنا في الحارس الكروي علي الحبسي مثلا.. وعليه نستطيع أن نقيس هل استطعنا أن نقدم عمانيّا انطلق من المحلية إلى الإقليمية ثم العالمية في أي مجال من المجالات؟ والسؤال الأهم هو هل يصح أن تكون عمان لم تقدم  طوال 40 عاما غير علي الحبسي؟</p>
<p dir="RTL">ما الذي يمنع أن يفوز عماني بجائزة نوبل للآداب أو للعلوم أو للسلام؟ ما الذي يمنع الإنسان العماني أن يصنع السيارة أو الطائرة أو حتى إبرة؟</p>
<p dir="RTL">لكي يتحقق ذلك لا  بد من تأهيل هذا الإنسان تأهيلا صحيحا بوجود خطط تنموية تهتم بالإنسان، وتطوير مناهج التعليم بحيث تنتج علماء وليس حفظة للعلم فقط مع وجود التربية الصحيحة في البيت والمدرسة والمسجد والإعلام ، ثم التدريب الجيد على رأس العمل وزرع مفهوم قيمة العمل وقيمة الإنتاج مع تعويد الجيل على قيمة العطاء بدلا من تعويده على الأخذ فقط .</p>
<p dir="RTL">لكي نبني الإنسان العماني بناء سليما يتواكب مع بناء العمارات والجسور لا بد  من التركيز على الأخلاق الحميدة لأن الجيل الذي يفقد الأخلاق سيفقد كل شيء وسيكون مستعدا لبيع أي شيء حتى وإن كان هذا الشيء هو الوطن بحجم عمان بتاريخها وأصالتها وحضارتها، وأيُ أمة تفقد أخلاقها هي أمة توشك على الزوال وهكذا يحدثنا التاريخ دائما، وفي الماضي أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في مأمن من الجحافل البربرية القادمة من الشمال، فبنوا سور الصين العظيم معتقدين ألا أحد يستطيع تسلقه لشدة علوه ولا اختراقه لشدة كثافته إلا أنه خلال المئة سنة الأولى التي تلت بناء السور تعرضت الصين ثلاث مرات للغزو، وفي كل مرة لم تكن الجحافل البربرية في حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه بل كانوا يرشون في كل مرة الحراس ويزحفون عبر الباب، لقد انشغل الصينيون القدامى بالاعتماد على أسوار من الحجارة ونسوا أن يعلموا أبناءهم الصدق والأمانة والإخلاص، وهذا درس مهم يفيد بأهمية بناء الإنسان قبل العمران.</p>
<p dir="RTL"> ويأتي بعد التركيز على بناء الأخلاق، الإهتمام بالنوابغ والمبدعين والمجيدين وأن يكون لدينا هدف نسعى لتحقيقه ولن يتم ذلك بين يوم وليلة فحتى ننشئ جيلا جيدا مبدعا لا بد أن نخطط لأكثر من 50 سنة قادمة وهي ليست بالمسألة الصعبة أبدا إذا توافرت الإرادة وإذا توافرت الرغبة في تحقيق ذلك، وربما يأتي في مقدمة ذلك الإهتمام بالعقول وتنميتها ثم استثمارها، ولدينا العديد من الشواهد في العصر الحديث لدول مثل اليابان وكوريا والصين وماليزيا وسنغافورة والهند كيف كانت وكيف أصبحت حالياً عندما استثمرت في عقول أبنائها وركزت على التعليم الحديث والمتطور.</p>
<p dir="RTL">ونحتاج إلى إنشاء مراكز الأبحاث والدراسات التي تهتم بكل الجوانب لأن التخطيط الجيد هو الذي يحقق النتائج الجيدة على المستوى القريب أو البعيد، لأننا إذا استمررنا على حالنا كما نحن الآن من إهمال الجيل الجديد سوف نصحو يوما مّا على كارثة كبرى، فيكفي ما يعانيه الجيل الآن من تخبط ومن غياب الهدف.</p>
<p dir="RTL">إن الإنسان هو صانع الحضارات وهو السبب الأساسي لرقي الدول والمجتمعات وتقدمها، ولا يمكن أن نقول إن الدول والمجتمعات التي حققت تقدما في مجال بناء الإنسان هي أفضل منا في شيء هذا إذا لم نكن نحن الأفضل قياسا إلى تاريخنا وتجاربنا، بل نستطيع أن نقول إن أجدادنا كانوا مبدعين وحققوا إنجازات أقرب إلى المعجزات ويجب أن يرث هذا الجيل ذلك التراث وذلك الإبداع الإنساني الراقي، وما يؤسف له الآن أنه حتى هذا التاريخ وهذا التراث العظيم تم إهماله من قبل أهله بينما يهتم به الآخرون، هذا الاهمال الجسيم حدا يوما بصحفي زائر لعمان الى التساؤل: هل صحيح أن هذا الشعب هو حفيد أولئك العظماء الذين تحدوا الصعاب وأقاموا أعظم إمبراطورية ..؟!</p>
<p dir="RTL" align="right">
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3631/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>4</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>انقذوا الطبقة الوسطى</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3617</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3617#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 03 Apr 2012 04:36:33 +0000</pubDate>
		<dc:creator>عبدالله الشعيلي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3617</guid>
		<description><![CDATA[تقسم الطبقات في أي مجتمع إلى ثلاث طبقات هي الطبقة الدنيا تليها الوسطى فالعليا. يمثل الطبقة الدنيا فقراء الناس وذوي الدخول المنخفضة في حين أن الطبقة الوسطى يمثلها الناس ذوو الدخول المتوسطة أما الطبقة العليا فهي طبقة الأغنياء. ولست هنا بصدد التطرق إلى التنوع والاختلاف في الطبقات الثلاث فمجالها بحوث الدراسات الاجتماعية والسكانية. هنا، في سلطنة عمان حيث تتميز قاعدة الهرم بأنها تتكون من الطبقة [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL">تقسم الطبقات في أي مجتمع إلى ثلاث طبقات هي الطبقة الدنيا تليها الوسطى فالعليا. يمثل الطبقة الدنيا فقراء الناس وذوي الدخول المنخفضة في حين أن الطبقة الوسطى يمثلها الناس ذوو الدخول المتوسطة أما الطبقة العليا فهي طبقة الأغنياء.</p>
<p dir="RTL">ولست هنا بصدد التطرق إلى التنوع والاختلاف في الطبقات الثلاث فمجالها بحوث الدراسات الاجتماعية والسكانية.<br />
هنا، في سلطنة عمان حيث تتميز قاعدة الهرم بأنها تتكون من الطبقة الوسطى ومعظم فئات الشعب تنتمي إلى هذه الطبقة – حسب علمي – وتتميز هذه الطبقة بدخلها المالي المتواضع الذي غالبا ما تحصل عليه عن طريق مصدر واحد هو الوظيفة أيا كان مصدرها سواء حكومة أم قطاع خاص أم عمل حر. ومؤخرا بدأ بعض الناس في تكسير هذه الطبقة إلى ثلاث طبقات طبقة متوسطة فقيرة وطبقة متوسطة متوسطة وطبقة متوسطة غنية وحجتهم في ذلك بأن هنالك بعض المتغيرات التي ادخلت إلى المجتمع وساهمت في تكسير هذه الطبقة.</p>
<p dir="RTL">أول ما سمعت عن نداء الاستغاثة هذا &#8221; انقذوا الطبقة الوسطى&#8221; كانت في إعقاب الزيادة المالية في رواتب الموظفين الحكوميين التي أسميت &#8221; علاوة غلاء معيشة&#8221; ولم تأت هذه العلاوة متساوية لكل الموظفين على حد السواء بل أنها راعت أن تكون زيادة الموظفين ذوي الدرجات الدنيا بنسب أعلى عن موظفي الدرجات المتوسطة، حيث ارتفعت أجور موظفي الدرجات المالية الدنيا – وربما قارب البعض منها الدرجات المالية المتوسطة- في حين أن الدرجات المالية العليا نالها نفس نسبة الزيادة أو أقل قليلا عن الدرجات الوسطى وهؤلاء ليسوا كما قال أحدهم &#8220;بحاجة إلى رواتب الحكومة&#8221;.</p>
<p dir="RTL">منذ ذلك اليوم والكثير من سكان الطبقة الوسطى يشعرون بأنهم أصبحوا على شفير الوقوع في شراك الطبقة الفقيرة التي بدأت دائرتها في الاتساع لتشمل أجزاء من الطبقة المتوسطة وهي المتوسطة الفقيرة، ومن هنا بدأ البعض في طرح تساؤل هل فعلا بدأت الطبقة الوسطى في مجتمعنا في التآكل؟.</p>
<p dir="RTL">نحن هنا في عمان حالنا حال غيرنا من مجتمعات العالم المتعولم نتأثر بما يتأثر به هذا العالم من تقلبات سياسية واقتصادية وسكانية ومجتمعية. وفي العالم المتقدم بدأت بعض الإرهاصات التي تحذر من انهيار أو تآكل الطبقة الوسطى نذكر منها على سبيل المثال الاحتجاجات التي تجري في الولايات المتحدة والتي تقودها بعض الحركات حاملة شعار &#8221; احتلوا وول ستريت&#8221; وما يجري أيضا في أوربا مجتمعة من احتجاجات لا تركز على الجانب السياسي بل أنها قائمة على أسسس اقتصادية بحته وتغلغل الرأسمالية في المجتمع والإجراءات والتقشف الاقتصادي. كل هذه الاحتجاجات تتفق في هدفها وهو حماية الطبقة الوسطى من جشع التجار ومضاربي البورصات ومنع هذه الطبقة من التآكل.</p>
<p dir="RTL">يقول فرانسيس فوكوياما الذي اشتهر بنظريته &#8221; نهاية التاريخ&#8221; التي أطلقها وروج لها، وهو اليوم يروج لنظرية أخرى أطلق عليها اسم &#8221; مستقبل التاريخ&#8221; يقول فوكوياما &#8221; إن الطبقة الوسطى قد بدأت سلفا في التآكل في الولايات المتحدة حيث ظل متوسط الدخل ثابتا منذ أعوام السبعينات، مضيفا أنه بدون هذه الطبقة الوسطى فإن الديمقراطية الليبرالية ستفقد مرساها&#8221;.</p>
<p dir="RTL">لنعود إلى الداخل، مع تطبيق بسيط لنظرية فوكوياما من أن متوسط دخل الفرد في بلادنا ظل كما هو عليه منذ سبعينات القرن الماضي لم تطرأ عليه تغييرات تذكر، بل إن من استفاد من الإعانات التي تقدمها الحكومة في بعض قطاعاتها كالتعليم العالي والمنح الدراسية والإعفاءات من الرسوم وغيرها لم تشمل الطبقة المتوسطة بل ركزت فقط على الطبقة الفقيرة – التي لا نحسدها والعياذ بالله- ولكن بقيت الطبقة الفقيرة هي المستفيدة من هذه الإعانات وزادت معاناة الطبقة الوسطى من كونها بات لزاما عليها تكبد تكاليف أكثر في الحياة.</p>
<p dir="RTL">&#8221; احموا الطبقة الوسطى&#8221; حماكم الله فلو بدأت هذه الطبقة في التآكل وبدأ سكان هذه الطبقة في التقهقر إلى الطبقة الفقيرة &#8221; من بات يطلق عليهم اليوم الفقراء الجدد&#8221; فإن ميزان المجتمع سيبدأ في الرجوح لكفة واحدة هي كفة الأغنياء الهوامير وقد نشهد في يوم من الأيام القريبة احتجاجات لاحتلال مبنى سوق المال.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3617/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>2</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ناصر بن جاعد (6) &#8230; الجبل المفقود</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3610</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3610#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 03 Apr 2012 04:27:05 +0000</pubDate>
		<dc:creator>د. زكريا بن خليفة المحرمي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة وفكر]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3610</guid>
		<description><![CDATA[&#8220;فافهم لئلا تُضلل أهل العلم من حيث لا تفهم، فلا تُقْدم حتى تعلم لئلا تأثم&#8221; ناصر بن جاعد. ذهب أحمد أمين في كتابه &#8220;فجر الإسلام&#8221; إلى أن الشعوب الأعجمية التي دخلت الإسلام إنما دخلته محملة بموروثاتها الثقافية وعقائدها الدينية، وكما قام الإسلام بتهذيب كثير من تلك الاعتقادات استطاعت بعضها الآخر البقاء والانتشار، خاصة تلك التي كانت مدعومة من قبل الحركات السرية المناهضة للإسلام. يذهب ريتشارد [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL"><strong>&#8220;فافهم لئلا تُضلل أهل العلم من حيث لا تفهم، فلا تُقْدم حتى تعلم لئلا تأثم&#8221; ناصر بن جاعد.</strong></p>
<p dir="RTL">ذهب أحمد أمين في كتابه &#8220;فجر الإسلام&#8221; إلى أن الشعوب الأعجمية التي دخلت الإسلام إنما دخلته محملة بموروثاتها الثقافية وعقائدها الدينية، وكما قام الإسلام بتهذيب كثير من تلك الاعتقادات استطاعت بعضها الآخر البقاء والانتشار، خاصة تلك التي كانت مدعومة من قبل الحركات السرية المناهضة للإسلام.</p>
<p dir="RTL">يذهب ريتشارد فولتز إلى أن &#8220;المانوية&#8221; التي ولد مؤسسها &#8220;ماني&#8221; في العراق عام 216م، كانت هي أخطر تلك الحركات على الإطلاق، فقد أخذت في الانتشار والتوسع في بلدان ما وراء النهر، والمناطق التي ما يزال الإسلام فيها حديث عهد ويواجه صعوبات إثنية ولغوية.</p>
<p dir="RTL"> ويذهب هاينس هالم إلى أن المانوية قامت بتأويل الوحي القرآني تأويلات &#8220;غنوصية&#8221; مفارقة لدلالات التوحيد، والغنوصية بحسب هالم هي نوع من المعرفة الحدسية القائمة على الإلهام، ولا تعترف بالإدراك النظري أو التجريبي.</p>
<p dir="RTL">لم تتوقف الحركة المانوية عند هذا الحد من التأويل الباطني الغنوصي بل قام سدنتها بترجمة كتبهم إلى العربية والفارسية ونشرها بين العوام في ما يسميه روبرت جيب بـ &#8220;حرب الكتب&#8221;، الأمر الذي دفع علماء الإسلام إلى التصدي لهم والرد عليهم، ويذهب أحمد أمين إلى أن ظهور المعتزلة كان نتيجة ضرورية للتصدي للمد المانوي.</p>
<p dir="RTL">اعتمدت المانوية وغيرها من الحركات السرية وسيلة سكّ الآراء وتعليبها في صورة نصوص منسوبة إلى النبي باعتبارها روايات مقدسة لتفسير القرآن، ومع كثافة عمليات التنصيص ظهر ما بات يعرف في التراث الإسلامي بـ&#8221;التأويل الباطني&#8221;، الذي يزعم أن القرآن له دلالات ظاهرية، ومضامين باطنية لا يفقهها إلا من يستطيع فك الرموز، واشتهر مثل هذا التفسير عند اتباع المذاهب الباطنية وأهل العرفان من غلاة المتصوفة.</p>
<p dir="RTL">كانت مهمة المفسر العرفاني اتخاذ العبارة القرآنية إشارة وجسرا لمعنى جاهز لديه، فلهذا صار التأويل الباطني بحسب الجابري تضمينا وليس استنباطاً ولا إلهاماً ولا كشفاً، إنه تضمين ألفاظ القرآن الكريم أفكاراً مستقاة من الموروث الهرمسي القديم السابق على الإسلام.</p>
<p dir="RTL">لم يكن ناصر بن جاعد بعيداً عن الإحاطة بطرف من ذلك الصراع المزمن بين النصّ الحر، وبين النص المكبّل بأغلال التأويلات الباطنية، بين الإسلام في صفاء نصه المكوِّن، وبين وحشية الحركات الباطنية المشوهة للنص، فلهذا نجده يصرح مغاضبا -على غير عادته- برفضه المطلق سجون التأويل الباطني قائلاً: (والمنافقين قسمان: قسم دائن بخلاف دين الله باستحلال التأويل الباطل للتنزيل والسنة والأثر الجليل).</p>
<p dir="RTL">إن هذا الربط غير المسبوق بين &#8220;النفاق&#8221; و&#8221;التأويل الباطل&#8221; لم يكن مجرد فتوى يتناقلها الفقهاء بل كان كاشفا عن عمق معرفي للصراع الطويل بين المنظومة الإسلامية في براءتها الأولى وبين المنظومات الباطنية المزاحمة لها.  لقد كان موقف ناصر بن جاعد استثنائيا إلى درجة تفجر الدهشة في نفوس متابعيها، وأول من فجئتهم تلك الدهشة كان محقق الكتاب الذي كتب قائلا: &#8220;هذه إشارة عميقة من الشيخ ناصر لما يصطلح عليه بـ(مراتب التأويل)، فهو يرى أن التأويل له حدود يجب أن يتوقف عندها، فإذا تعداها إنسان ما، ولم يكن له سند علمي دخل في جملة المنافقين &#8230; كما لم أجد من معاني (المنافق) هذا المعنى الذي ذهب إليه الشيخ في معجمات المصطلح الصوفي .. وهذا يدعو إلى القول إن الشيخ قد وقع على معنى آخر للنفاق وصل إليه مستنداً إلى قناعاته الفكرية&#8221;.</p>
<p dir="RTL">قطعا لم يكن يخفى على ناصر بن جاعد الغزوات المتتالية لكتائب التأويل الباطني لا على نص القرآن الحكيم وحسب بل وحتى على ما يسميه ناصر بن جاعد &#8220;الأثر الجليل&#8221; الذي تندرج في إطاره منظومة ابن الفارض، وقد صدّر كتابه بالقول: (وقد شرح بعض من تلامذة تلميذ الناظم شرحا سماويّ أغمض معاني شرحه أشد غموضا من معاني النظم وأبعد على الفهم بأضعاف مضاعفة &#8230; فسهلته بألفاظ قريبة، ولم أرد أن أورد معانيه التي أوردها للخلاف الذي بيننا وبينهم، فاخترعت لها معاني ظاهرة بينة موافقة للاستقامة، لأن النظم يحتملها في التأويل، وما لا يصح في ميزان الاستقامة فليسه بتأويل لكلام يحتمل أن يؤول على طريقة العدل)اهـ.</p>
<p dir="RTL">إذن كان ناصر بن جاعد حين يرفض التأويلات الباطنية المشحونة بالإرث المانوي السابق على الإسلام يصدر عن إرادة واعية تدرك تماماً أبعاد تلك التأويلات وخلفاياتها التراثية، ووفق هذه المقدمات لن يكون غريبا إن وجدنا نصاً يهاجم فيه ناصر بن جاعد أهل التأويل الباطني، فهو قد حدد سلفاً أن هذه النوعية من التأويلات داخلة في دائرة النفاق، ولكن أن نجد نصاً يتصدى فيه للدفاع عن أصحاب هذه التأويلات ويدعو إلى التسامح معهم، فهذا هو الموقف الذي لا تنقضي عجائبه. يقول ناصر بن جاعد: &#8220;واعلم أن لها تأويل باطنٍ خفيّ علوي سماوي روحاني، وتأويل ظاهر جلي جسداني، ونحن اكتفينا بالجلي الظاهر الممكن فهمه بالغالب من العقول السلمية، وأعرضنا عن الباطن الذي ربما إذا وقف عليه الغالب من المتعلمين تقصر عقولهم، فإما أن يصوروا ما لا يجوز، وإما أن يسيئوا الظن بنا&#8221;.</p>
<p dir="RTL">إن هذا الموقف المدهش في تسامحه مع الرأي الآخر يجسد روح الإسلام في صفائها المطلق، إنه موقف لا يتمثله سوى العظماء الذين تربعوا أعالي قمم الأخلاق، فصاروا مع الوقت جبالاً قيمية تفتقدها أمتنا المتناحرة.</p>
<p style="text-align: center;" dir="RTL"><span style="color: #ff0000;"><strong>ملاحظة: ينشر بالتزامن مع ملحق شرفات الثقافي بجريدة عمان.</strong></span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3610/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>3</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>التجديد الإسلامي والنهوض الحضاري</title>
		<link>http://alfalq.com/archives/3596</link>
		<comments>http://alfalq.com/archives/3596#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 03 Apr 2012 04:15:48 +0000</pubDate>
		<dc:creator>خميس بن راشد العدوي</dc:creator>
				<category><![CDATA[الرابع والعشرون]]></category>
		<category><![CDATA[الطاولة المستديرة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alfalq.com/?p=3596</guid>
		<description><![CDATA[التجديد هاجس إسلامي، يتلمسه المسلم منذ أكثر من قرن، إلا أنه لم يطأ ساحته، ولم يقترب من حماه، وسيظل المسلم مسكوناً بهذا الهاجس أزمنة آتية، حتى يعي أن المشكلة ليست في غيره، بل فيه، بيد أن هذا لا يمنع من تقليب الأمر على وجوهه، وإعادة النظر فيه بتغيّر الأحوال، وفي هذه الحقبة التي يشهد فيها العالم العربي غلياناً سياسياً واسعاً؛ من المهم أن نعيد طرح [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<div id="attachment_3605" class="wp-caption alignleft" style="width: 210px"><a href="http://alfalq.com/wp-content/uploads/2012/04/1IMG_1622.jpg"><img class="size-medium wp-image-3605" title="1IMG_1622" src="http://alfalq.com/wp-content/uploads/2012/04/1IMG_1622-200x300.jpg" alt="" width="200" height="300" /></a><p class="wp-caption-text">الدكتور محمد أبو هلال</p></div>
<p dir="RTL"><strong>التجديد هاجس إسلامي، يتلمسه المسلم منذ أكثر من قرن، إلا أنه لم يطأ ساحته، ولم يقترب من حماه، وسيظل المسلم مسكوناً بهذا الهاجس أزمنة آتية، حتى يعي أن المشكلة ليست في غيره، بل فيه، بيد أن هذا لا يمنع من تقليب الأمر على وجوهه، وإعادة النظر فيه بتغيّر الأحوال، وفي هذه الحقبة التي يشهد فيها العالم العربي غلياناً سياسياً واسعاً؛ من المهم أن نعيد طرح الموضوع من جديد؛ خاصة مع مفكر وأكاديمي متخصص في الدراسات الإسلامية، وقادم من البلاد التي انطلقت منها الاحتجاجات، والتي استطاعت أن تسلك طريقها في التغيير السياسي، جاء هذا اللقاء مع الدكتور محمد أبو هلال من تونس، حول التجديد والنهوض الحضاري لدى المسلمين، وقد ألقى المشهد العربي الراهن بظلاله على هذا الحوار، وأترك القارئ معه.</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>خميس: الدكتور محمد أبو هلال أهلاً بك وسهلا في بلدك عمان.</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>العلاقة بين عمان وتونس –كما هو معروف– علاقة وطيدة؛ سواء على المستوى الثقافي أو الديني أو المذهبي أو اللغوي، وأنتم تؤكدون –بحضوركم إلى عمان– على هذه العلاقة، وتسعون إلى أن تساهموا –ليس في تونس وعمان فقط، بل على مستوى العالم العربي والإسلامي– على تطوير الرؤية من نواحي مختلفة، اليوم سيكون حديثنا حول الفكر الإسلامي، إذ إن هذا الفكر هو أحد الركائز المهمة في التفكير العام، والذي لا يمكن أن نتجاوزه دون أن نحلله إن أردنا فعلاً أن ننطلق إلى مستقبل أفضل.</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>دعني أبدأ معك من فكرة التجديد ذاتها، ما هو التجديد؟ وهل فعلاً الأمة بحاجة لبروز مثل هذا المصطلح؟ هل له آليات لترجمته؟ أو نحن بعد هذا التطور المعرفي والمنهجي في العلوم لا زلنا مأسورين بالتراث ونستعل أدوات تراثية بما فيها مصطلح التجديد؟</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>أبو هلال:</strong> أهلاً وسهلاً، أنا سعيد جداً بوجودي في عمان لأول مرة، وسعيد بالمشاركة في هذا البرنامج، لا شك أن هناك حلقات وطيدة بين تونس وعمان، وبين كل الدول العربية والإسلامية، هناك سهولة كبيرة في التعامل وتبادل الأفكار والتواصل، هذا يؤكد وجود وحدة ثقافية ومبادئ وتاريخ مشترك يسهل التواصل، ولاشك أن تبادل الرأي مفيد للجميع، إذن في هذا الإطار نحن نلتقي ونتكلم في موضوع التجديد، منذ أكثر من قرن تعالت أصوات كثيرة تتحدث تارة عن الإصلاح، وتارة عن التجديد، وتارة عن التحديث، وكل هذه مفاهيم ومصطلحات ربما تختلف في بعض معانيها ولكنها تتفق على شيء واحد وهو أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية تحتاج إلى إعادة نظر فيما هو موجود، وتحتاج إلى تحسين الفكر وتطويره، ومن ثم تطوير المجتمع.</p>
<p dir="RTL">لا شك أن مجتمعاتنا تنتمي إلى حضارة عرفت ازدهاراً عظيماً في القرون السابقة، ولكن منذ أربعة أو خمسة قرون عرفت هذه الحضارة ركوداً، وفي المقابل برزت حضارة أخرى هي الحضارة الغربية، ووقف المسلمون منها مواقف مختلفة، هناك من حاول الاستفادة منها، وقد استفدنا منها بعض الأشياء لا شك في ذلك، ولكن الحضارات لا تنقل ولا تقلد، لا يمكن أن نستقبل حضارة بأنماط تفكيرها وفلسفتها وأخلاقها ومبادئها، ونأخذها من بيئتها وتربتها، ونضعها في مكان آخر، هذه عملية غير ممكنة، كل نهوض حضاري يتطلب جهوداً ذاتية يقوم بها أبناء تلك الحضارة، يستلهمون ثقافتهم وتراثهم وتاريخهم ودينهم، وبالإمكان أيضاً وضروري الاستفادة من تجارب الحضارات الأخرى، نحن الآن نعيش هذا الوضع في بلادنا العربية والإسلامية، تكثر الأصوات من هنا وهناك؛ تنادي بالإصلاح أو النهوض أو التقدم أو الثورة أو التحديث، كل هذه الأصوات لها مشروعيتها، المهم أن تلتقي وتتحاور، وأن تنادي بأمور واقعية تلقى صداها في البيئة، وأن يتجاوب معها الناس، بمعنى لا فائدة أن ندعو إلى أفكار أو مشاريع لا يتقبلها الناس ولا يتفاعلون معها، لأنهم يجدون أنفسهم غرباء عنها، مثلما هو شأن الدعوات العلمانية الصرفة، التي أرادت أن تقطع صلتها مع التراث الإسلامي ومع الثقافة العربية الإسلامية، لا بد أن نتواصل مع شعوبنا ومثقفينا، ولا يكون ذلك إلا بأن نأخذ تراثنا وديننا مأخذ الجد، وأن ننطلق منهما ونستلهمهما، ونحاول أن ننظر في ربطهما بالعصر الحديث وبمقتضيات الحضارة الحديثة.</p>
<p dir="RTL">خلاصة القول هو إن دعوات التجديد قوية في الوقت الحاضر في البلاد العربية، ولها ما يبررها، وهي تحقق نتائج يمكن أن نقول إنها طيبة، ولكنها محتاجة إلى أن تؤسس عملها على دراسات معمقة، وعلى قواعد منهجية علمية، حتى لا تكون مجرد نوايا طيبة، أو مجرد جهود فردية يقوم بها البعض فقط.</p>
<p dir="RTL"><strong>خميس: أمسك الخيط من كلامك، عن موضوع العلمانية، الجدل مستمر حولها، أريد أذكر –ربطاً بالموضوع– قصة حدثت ذات يوم مع أحد علماء تونس، وهو الشيخ سالم ابن يعقوب أحد علماء جربة، كان ذات مرة مع تلاميذه، فسألهم السؤال التالي: ما رأيكم في العلمانية؟ ولكونه فقيهاً، رد تلاميذه بالتنقيصٍ من شأن العلمانية، واستبعاد أن تكون العلمانية حلاً في ديار المسلمين، فرد عليهم بما معناه: أن العلمانية ليست كلها شر، ولو حكمت التصورات الدينية على ما آلت عليه الآن لما استطاع أحدكم أن ينشر رؤيته بحرية إلا بعد أن تمر بكثير من الغربلة، ولربما لن يظهر الكتاب أو المقال الذي تعبرون فيه عن رؤاكم.</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>لو تتفضل علينا وتتحدث عن العلمانية وعن وقعها وموقعها في ديار الإسلام.</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>أبو هلال:</strong> العلمانية في حد ذاتها حركة مشروعة، لأنها ظهرت بفعل وضع خاص كانت تعيشه المجتمعات الأوروبية في القرون الوسطى، وفيما جاء بعدها؛ عصر الأنوار والنهضة، في هذه الفترة كانت أوروبا تعيش تحت وطأة الدين المتمثل في مؤسسة وهي الكنيسة، الكنيسة لم تكن مجرد صوت للدين، وإنما كانت سلطة تمارس نفوذها على العقل والروح، وعلى الدنيا والآخرة، ووصل بها الأمر إلى بيع صكوك الغفران للناس بمقابل مالي، في هذا الوضع الذي كانت فيه الكنيسة تخنق الحركة والعقل والحياة، كان لا بد من أن يظهر موقف يسعى إلى التخلص من هذه الهيمنة، هذا الموقف الجديد وقع التعبير عنه فلسفياً وسياسياً بفكرة العلمانية أو العلمنة، ظهرت الدعوة إليها ثم أخذت تتعاظم شيئاً فشيئاً في أوروبا، ثم دعت إلى علمنة الدولة، وتخليص الدولة من نفوذ الكنيسة وسلطتها، ثم تفاقمت هذه الدعوة وأصبحت تنادي بعلمنة المجتمع، بمعنى أن الحياة الاجتماعية يجب أن تكون حرة من تدخل الدين، فهناك فضاءات عمومية متعددة مثل: الإعلام والصالونات الثقافية والجامعة والنوادي، هذه يجب أن تكون مستقلة تماماً ومنفصلة عن النفوذ الديني، وبقيت للدين مساحة وحيدة هي الحياة الشخصية أو الحرية الشخصية، هذه حرية مقدسة في المجتمعات الأوروبية؛ مجتمعات ما بعد النهضة، وبإمكان المرء أن يكون –إذا أراد–متديناً، ويتدين على الطريقة التي تعجبه، وبإمكانه أن لا يكون متديناً، فبقي الفضاء الوحيد للدين هو المجال الشخصي.</p>
<p dir="RTL">هذا في التجربة الأوروبية لكن حتى في هذه التجربة يجب أن نلاحظ وجود فروق، فهناك مجتمعات أوروبية سارت على النحو الذي وصفت منذ حين، وهذا ينطبق بصفة كبيرة على المجتمع الفرنسي، ولكن هناك مجتمعات أخرى لم تمض في هذا الطريق كله، مثلاً المجتمع الألماني أو المجتمع البريطاني ترك للدين حيزاً في الفضاء العمومي، فالدولة –على سبيل المثال– في ألمانيا تقتطع من الناس ضريبة إجبارية تعطيها للكنيسة، لأن الناس يذهبون إليها، يؤدون الصلاة ويأخذون منها بعض الحلول، والكنيسة مؤسسة تحتاج إلى مصاريف، والدولة نفسها تقوم بهذا الدور. في بريطانيا الملكة هي رئيسة الدولة ورئيسة الكنيسة، هناك وحدة للسلطتين الدينية والسياسية. فصورة العلمنة ليست واحدة في المجتمعات الأوروبية، والعلمانية ليست فكرة مقدسة، العلمانية فكرة فلسفية وسياسية، دعت إليها الظروف التي وصفتها منذ حين، وتبنتها المجتمعات الأوروبية بدرجات ومضامين مختلفة.</p>
<p style="text-align: center;" dir="RTL"><a href="http://alfalq.com/wp-content/uploads/2012/04/IMG_1610.jpg"><img class=" wp-image-3606 aligncenter" title="IMG_1610" src="http://alfalq.com/wp-content/uploads/2012/04/IMG_1610-300x200.jpg" alt="" width="300" height="200" /></a></p>
<p dir="RTL"><strong>خميس: ما شأن العلمانية في بلادنا العربية والإسلامية؟.</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>أبو هلال:</strong> نحن نعرف أن الإسلام عبر تاريخنا الطويل لم يتحول إلى سلطة تضطهد الناس وتقمعهم وتحاصرهم، وتعد عليهم أنفاسهم، كان الإسلام هو الأرضية التي يعيش في إطارها الناس ويتعايشون، ويتبادلون المصالح والعلاقات، الإسلام يتدخل لتحسين الحياة وتنظيمها، إلا أن الفكرة والنظم المعبرة عن الإسلام بنيت في ظروف تاريخية معينة، كان فيها الوعي البشري قد تقدم، ولكنه بلغ نقطة معينة تجاوزها في الوقت الحاضر، فاستمرت هذه النظم والنظريات في العمل وفي نفس الوقت تغيّر المجتمع ومصالحه ورؤاه، فحصل نوع من التضارب والتصادم، لم يعد الإنسان المعاصر يجد في الفكر الإسلامي التقليدي كل الحلول التي يرتضيها في مجال حياته السياسية والاقتصادية والثقافية إلى آخره، إذن في هذا الإطار من عدم التوافق نشأت فكرة العلمانية عندنا، وهي عندنا –كما في أوروبا– تميزت بنزعات مختلفة، فهناك العلمانية المتفردة التي تتخذ من الدين موقفاً عدائياً، وتريد أن تحاصر الدين وتحصره في زاوية ضيقة، وإذا أمكن أن نتخلص منه سيكون أفضل، وهناك من يدعو إلى هذا الأمر مثل اليسار المتطرف في عدد من البلدان العربية والإسلامية، وهناك من يدعو إلى علمانية معتدلة لا تتنكر للدين جملة وتفصيلاً، ولكن تقول إن هناك مجالات للدين أن يتدخل فيها، وهناك مجالات أخرى ليس له أن يتدخل فيها، فهذه النزعة العلمانية تدعو إلى تحرير شيئين من التدخل الديني: الأول الدولة أو الحكم أو السياسة، والثاني المعرفة.</p>
<p dir="RTL">لكن هذه الدعوة هل هي مناسبة لوضعنا؟ هل بإمكان الحكم في البلاد العربية والإسلامية أن يتخلص تماماً من تأثير الدين؟ وهل من المفيد أن يفعل ذلك؟ هذا سؤال نطرحه، أنا شخصياً أرى أن هذا التوجه ليس مفيداً، فهناك في الدين قيم ومثل ومبادئ نخسر كثيراً إن نحن تنكبنا عنها في ميدان السياسة، وبالنسبة إلى المعرفة؛ يجب أن نميّز بين صنفين من المعرفة: المعرفة العلمية المحضة، هذه –في رأيي– لا يجب أن يتدخل فيها أي اعتبار عقائدي أو مذهبي أو أيدولوجي، وهناك المعرفة الإنسانية أو المعرفة الاجتماعية التي للدين والأيدولوجيا والمذهب والرأي الشخصي دخل فيها، فهذه المعرفة حين نكتب في المجتمع والأخلاق والتاريخ لا بأس أن تكون آراؤنا أو بعض آرائنا مطعمة بتوجهات دينية، ولا يمكن أن يكون الأمر إلا كذلك، إذن فعلينا حين نتحدث عن العلمانية أن نلاحظ ما فيها من أطياف مختلفة، وبالإمكان أن نستفيد منها في بعض الجوانب، لكننا لا نستطيع أن نأخذ بها جملة وتفصيلاً، بدليل أن العلمانية إلى حدِّ الآن لم تنجح في أي بلد عربي أو إسلامي، تركيا على سبيل المثال اتبعت المنهج العلماني وبعد ثلاثين أو أربعين سنة ظهر تيار يناقض هذه الدعوة، وأصبح هو الغالب في هذا البلد، وكذلك الشأن في بلدان أخرى، أذكر مثالاً على ذلك تونس؛ في وقت من الأوقات كان الصوت الوحيد الذي يعلو في تونس هو صوت العلمانية والعلمانيين، ولأن هؤلاء لم يدركوا الحدود التي يجب أن يقفوا عندها، ولم ينتبهوا إلى أن بإمكانهم الإستفادة من هذه الفلسفة دون الإغراق فيها، أو دون السقوط في التقليد المطلق للغرب، ولأنهم لم يفعلوا ذلك أرى أنهم يتردون اليوم ويفشلون في الانتخابات.</p>
<p dir="RTL"><strong>خميس: جيد ما تفضلت به، أستطيع القول إنه إجمالاً لا يختلف الكثيرون –حتى من يحمل الرؤية الدينية– مع هذا الكلام، ولكن كما يقال المشكلة تكمن في التفاصيل، فإذا كان الدين الإسلامي بطبيعته الديناميكية والحيوية قادراً على أن يتفاعل مع معطيات الحضارة بمختلف مراحلها، وإذا قلنا على الجانب الفقهي إن الفقهاء هم بذاتهم من ينادون بالتجديد، وظهرت عندنا بوادر إصلاحية في أرجاء الوطن العربي والإسلامي، ولكن عندما ننظر إلى الواقع نجد تخلفاً حضارياً، فنحن عالة شبه تامة على غيرنا، ليس على نطاق الحياة المادية اليومية فقط، وإنما أيضاً على نطاق الفكر، لم نتمكن إلى حدِّ الآن من توليد مناهج ونظم، فضلاً عن أن تكون لدينا مدارس منهجية وفكرية.</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>أين تكمن المشكلة؟ عندما ننظر إلى سياقنا المعرفي والتاريخي نجده في طريق، وعندما ننظر إلى واقعنا نجده في طريق آخر، أليست المشكلة دينية؟ سأتفق معك على أنها ليست مشكلة الدين، ولكن دينية بمعنى ما تشكلت عليه عقول المسلمين من رؤى عبر تاريخهم وتراكمات معرفية، دعنا نكون صريحين، أليست المشكلة هنا؟.</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>أبو هلال:</strong> لا أعتقد أنها هنا، هي ربما بشكل ما هنا، ولكن ليست هنا فقط، المشكلة عامة، هناك ملاحظة قالها الكثيرون؛ وهي أن العربي أو المسلم الذي يدرس ويتخرج، حين يكون في بلده فإن مردوده يكون ضعيفاً، وقد لا يكون له مردود، بينما حين ينتقل إلى مجتمع أوروبي أو غربي فإنه يفجر طاقته، ويظهر ما لديه من إمكانات، ما معنى ذلك؟ معناه أن الفرد لا يستطيع أن يفعل إلا في ظل مجموعات تساعده على الفعل، إذن فالمشكلة ليست في الفرد، أنا زرت عدة دول أوروبية، وزرت اليابان، رأيت الناس هناك كيف يفكرون ويتنافسون ويدرسون، ولم ألاحظ أي تميز لهم عنا في المستوى الفردي، وبإمكان الأفراد منا أن يكونوا متفوقين تفوقاً كبيراً على الأفراد منهم، المشكلة هي في الوضع الاجتماعي والثقافي والسياسي العام، بإمكان المرء أن يكون مفيداً وخلاقاً ومتطلعاً إلى الأفضل إن وضعته في مجتمع يساعده على ذلك، ويوفر له الفرص لتقديم ما عنده، وبإمكانه أن يتجمد، بل يصبح سلبياً إن وضعته في مجتمع آخر.</p>
<p dir="RTL"><strong>خميس: من أوجد هذا المجتمع الذي لدينا؟.</strong></p>
<p dir="RTL"><strong>أبو هلال:</strong> سأذكر هذا. هناك ملاحظة أخرى لاحظها الكثيرون، تتمثل في أن حدثاً ما وقع في الآونة الأخيرة، في بلد عربي مسلم صغير هو تونس، صغير من حيث الحجم، وقعت ثورة في تونس، هذا الحدث الذي لم تصنعه النخبة، ربما لم تفكر فيه النخبة، وإنما صنعه الشعب؛ خاصة الشباب، سرعان ما انتقل إلى بلد ثانٍ وثالث ورابع، وانتقل إلى أوروبا والولايات المتحدة، وهناك استلهام لهذا المثال، ماذا أريد أن أقول؟.</p>
<p dir="RTL">أريد أن أقول إننا نستطيع أن نكون طلائعيين ومتقدمين، نستطيع أن نلهم العالم، شريطة أن نسلك الطريق المؤدية إلى ذلك، وأن لا يبقى ذلك في مستوى بعض الأفراد، وإنما يتحول إلى مستوى المجتمع ككل، نحن إذن محتاجون إلى أن نطور نظامنا الاجتماعي بحيث يصبح محضناً لفكرة التجديد، ولكل طاقة خلاقة، أعتقد أننا بدأنا نسلك هذه الطريق، لكي نمضي فيها نحتاج إلى توظيف كل إمكاناتنا، في السابق كانت مكونات المجتمع العربي يتصادم بعضها مع بعض، ويلغي بعضها بعضاً، فالشباب يتصادمون مع الشيوخ، وكل طرف من الطرفين يحاول أن يكبل الآخر ويلزمه، وكانت التقاليد تتصادم مع قيم الحداثة، وكل منهما يحاول أن يلغي الآخر، كان الأغنياء والفقراء أيضاً تتضارب مصالحهم، والمثقفون الذين ينتمون إلى تيارات ومشارب مختلفة يشوه بعضهم البعض الآخر، ويحاول أن يلغي وجوده، حتى المفكرون الفرادى، حين يأتي مفكر يبطل ما قاله سلفه ويحاول أن يؤسس من جديد، هذه العقلية ليست عقلية بنائية، نحن نحتاج إلى أن يعترف بعضنا ببعض، وإلى أن يثمّن بعضنا بعضاً، ويثمّن جهوده، ويعتبر أن بإمكانه أن يبني على ما أنجزه غيره، هذه الرؤية الإيجابية البنائية هي وحدها القادرة على أن تضعنا في الطريق السوي.</p>
<p dir="RTL">م</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://alfalq.com/archives/3596/feed</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>

